ميزان القوة والضعف

فيلم «عنتر ولبلب» من الأفلام التي تحمل فكرة لطيفة تقول «القوة في العقل والحيلة وليس في الجسد والعضلات»، فتشغيل العقل يمكن أن يؤدى بصاحبه إلى الانتصار على خصمه الذي يمتلك معطيات القوة المادية. وسياق إنتاج الفيلم -عام 1952- يشير إلى الحالة التي كانت تعيشها مصر أواخر عصر الاحتلال الإنجليزي، فقد كانت الدعوات مشتعلة للكفاح ضد الإنجليز في القنال.

لم يكن الشباب الذين توافدوا من كل أنحاء المحروسة للمشاركة في العمل «الفدائى» يملكون أدوات القوة التى يحوزها المحتل، لكنهم كانوا قادرين على إيذائه والنيل منه عبر العمليات الفدائية التى قاموا بها، وخطّطوا لها بدرجة عالية من الذكاء، الذكاء الذى يُعوّض نقص الأدوات.


في الفيلم تمكّن «لبلب» الضعيف من صفع «عنتر» القوى الجبار 7 مرات على وجهه، في كل مرة كان يستخدم حيلة جهنمية لضرب خصمه، مرة يتنكر له في صورة قزم، ومرة في صورة طبيب، ومرة يغافله ويتسلل إلى داخل منزله ويصفعه، ومرة يطارده في السجن، ومرة في طائرة، وهكذا ينجح في كل مرة في صفعه، كان «لبلب» واقعياً للغاية حين أدرك أنه سيخسر في أي مواجهة مباشرة مع «عنتر» بسبب فائض القوة الذي يتمتع به الأخير، لذلك فقد آثر المكر والحيلة وتشغيل عقله حتى يتمكن من إيذاء الخصم الذي يتمتع بمعطيات قوة مادية ظاهرة.


الجمهور بطبيعته يتعاطف مع الأضعف، وقد تعاطف مع «لبلب» الغلبان الذي يحاور ويداور ويناور على خصمه حتى يستطيع النيل منه، كما تعاطف من قبل مع «الفداوية» حين كانوا يقاومون بأيديهم وأجسادهم نيران الاحتلال الإنجليزى، لكن النتائج كانت مختلفة في الحالتين، ففي الفيلم العربى انتصر «لبلب» على «عنتر»، لكن الأمر اختلف في الواقع، إذ لم نستطع إجبار الإنجليز على الجلاء عن مصر إلا بعد ثورة 23 يوليو 1952، لكن يبقى أن فكرة الضعيف الذى يستطيع -بالحيلة- الانتصار على القوى، من الأفكار التي تغازل المخيلة العربية على وجه العموم، والسبب في ذلك أن هناك من القوى الكبرى من يطمع في المنطقة التى نعيش فيها، وما أكثر ما يحلم العرب بأن ينتصر الضعيف على القوى، لكن الحلم شىء والواقع شىء آخر، فالصراعات تحكمها أدوات القوة، ومن يمتلك هذه الأدوات هو الأقدر على الفوز في المعارك.


إن بإمكان الضعيف أن يفعل ما فعل «لبلب» فيؤذي عدوه أو ينال منه بطريقة أو بأخرى، ويصفعه على سهوة، وقد يفرح الجمهور بهذا ويأنس له، لكن ذلك لا يعنى بحال أن الضعيف انتصر، ومهما أتى من وسائل الدعاية فإن ذلك لن يغير من الحقائق على الأرض، ذلك درس لا بد أن يتعلمه الجميع، فالحيلة وحدها لا تنفع والدعاية ليست مفيدة في كل الأحوال، فلا بد من إعادة بناء معطيات الواقع على الأرض حتى يستطيع الفرد أو المجموع تحقيق أهدافه في تغيير ميزان القوة والضعف.