محمود مرزوق يكتب: مسجد بلا مئذنة!
محمود مرزوق يكتب: مسجد بلا مئذنة!
عاشت الدولة الفاطمية في رخاء اقتصادي واستقرار سياسي طوال معظم فترات حكمها لمصر، لكن ذلك لم يمنع نشوب صراع مرير بينها وبين الدولة العباسية. كان العباسيون يسعون جاهدين لإسقاط الخلافة الفاطمية وإعادة السيطرة على مصر، بحيث تُقام الخطبة على منابر القاهرة باسم الخليفة العباسي وتُضرب السكة -العملة- بختمه. من أبرز محاولات العباسيين للإطاحة بالحكم الفاطمي ما جرى في عهد الخليفة المعز لدين الله، حين حاولوا التحرك عبر معز الدولة البويهي. لكن المحاولة باءت بالفشل، وأُسر رجل العباسيين المدعو «هفتكين» الذى طافوا به في شوارع القاهرة كرمز للانتصار، قبل أن يعفو عنه الخليفة ويُسكنه مع أتباعه بالقرب من الأزهر في المنطقة التي صارت تُعرف لاحقًا باسم «درب الأتراك».
لم يقف الفاطميون مكتوفي الأيدي إزاء هذه المحاولات، فكان لديهم مخطط طموح لإعادة تخطيط الجغرافيا الدينية في العالم الإسلامي. أرادوا تحويل القاهرة لتكون المركز الروحي للإسلام بدلًا من مكة والمدينة. تجسّدت هذه الرؤية في خطة جريئة لبناء ثلاث قباب عظيمة بين القاهرة والفسطاط، تُخصَّص للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبى بكر وعمر. بعث الفاطميون أتباعهم سرًا إلى المدينة المنورة لتنفيذ المهمة الخطيرة، وبدأوا بالفعل في الحفر تحت القبة الخضراء، لكن أمرهم انكشف وتم القبض عليهم، كانت هذه الواقعة محورية في تاريخ الدولة الفاطمية وفي تاريخ مصر أيضًا، إذ شكّلت النواة التي سيبنى عليها المصريون منظورهم الخاص للإسلام وعلاقتهم الممتدة بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
بعد فشل الخطة الأولى، لجأ الفاطميون إلى خطة بديلة: تمثلت في نقل شخصيات محورية في تاريخ الإسلام إلى مصر، وكانت البداية برأس الإمام الحسين بن على حفيد النبي صلى الله عليه وسلم، بحجة حماية الرأس الشريف من الصليبيين الذين كانوا يواصلون الزحف في بلاد الشام، قرَّر الفاطميون نقله من عسقلان إلى القاهرة لهذا الغرض، بنى الوزير الصالح طلائع مسجدًا خارج باب زويلة. في ذلك التوقيت كانت هيبة الخلفاء الفاطميين قد تراجعت لصالح صعود نفوذ الوزراء، حتى أُطلق على هذه الفترة اسم «عصر الوزراء العظام». لذلك لم يكن غريبًا أن يتم حدث بهذه الأهمية تحت رعاية وزير وليس خليفة. لكن في نهاية المطاف، انتقل الرأس الشريف إلى القصر الفاطمي، واستقر في الموقع الذى سيُبنى عليه لاحقًا مسجد الإمام الحسين الحالي.
ظل جامع الصالح طلائع مغلقًا لأكثر من 150 عامًا، بعد أن اعتبره صلاح الدين الأيوبي معقلًا من معاقل الفكر الإسماعيلي. كان صلاح الدين يسعى للقضاء على أى محاولة لإحياء الدولة الفاطمية، فأغلق الأزهر وبقية الجوامع الفاطمية. لم يُفتتح المسجد مجددًا إلا بعد نهاية الدولة الأيوبية وقيام دولة المماليك، حيث أُقيمت فيه أول صلاة في عهد السلطان المملوكي عز الدين أيبك.
رغم الأهمية التاريخية الكبيرة للمسجد، إلا أنه اشتُهر بين العامة بلقب «مسجد بلا مئذنة»، كونه من المساجد القليلة في مصر التي لا تعلوها مئذنة. السبب في ذلك يعود إلى أن المسجد كانت له مئذنة عثمانية من ذلك الطراز ذي الرأس المدبب الذى يعرفه الآثاريون بطراز القلم الرصاص، لكن حدث أن مالت بشكل خطير وسقطت أجزاء منها، ما تسبّب في إصابات بين المارة في محيط المسجد المزدحم. قررت لجنة حفظ الآثار العربية هدم المئذنة العثمانية لكونها دخيلة على الطراز الفاطمي الأصيل للمسجد، وعدم بناء مئذنة جديدة له.
لم تفكر اللجنة في بناء مئذنة على الطراز الفاطمي لعدم وجود نموذج فاطمي قائم يمكن الاستعانة به. يبقى مسجد الصالح طلائع شاهدًا على صراعات الخلافة وتحولات التاريخ، وعلى محاولة الفاطميين تحويل القاهرة إلى قلب العالم الإسلامي الروحي، وعلى روائع المدينة الفاتنة التي لا تفنى عجائبها!