كيف نحارب «الكراهية»؟

أعجبني عمدة نيويورك «زهران ممداني» وهو يتحدث عن عدة أنواع من السموم التي تهدد المجتمعات، أخطرها وأكثرها دهامة «الكراهية»، فالكراهية تمثل سماً قاتلاً قادراً على تدمير البشر حين يشربون من نقيعه. وظني أن الاستقطاب يعد كلمة السر وراء انتشار ثقافة الكراهية، فانقسام المجتمع إلى فريقين أو أكثر يمثل المقدمة الأساسية لانتشار حالة البغضاء بين أفراده.

والكراهية أو البغضاء تقفز أول ما تقفز على الألسنة، وما يبوح به اللسان يعكس عادة ما هو أكبر وأعمق داخل القلب. قال تعالى: «قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ». والكراهية عادة ما تقسم الواحد وتقع «بين» الأفراد والمجموعات، إنها حالة بينية تشير إلى التخلي عن معادلة «الكل في الواحد» والاتجاه إلى معادلة: «كل واحد كل بذاته» يعبر عن نفسه ضد الآخر. قال تعالى: «فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».. وقال تعالى: «وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

والانحياز للذات أو للفريق والتعصب له يؤدي في الأغلب إلى كراهية الأفراد الآخرين أو الفرق الأخرى.
والمشكلة أننا نعيش في هذا الزمان بمنطق «الجروب». الواقع الافتراضي فرض على الناس ذلك، وقسمهم إلى «جروبس» أو مجموعات، كل مجموعة تقبل من أفرداها وترفض غيرهم، وفي بعض الأحوال لا تكتفي بالرفض، بل تشفعه بالكراهية.

فكرة المجموعات المنقسمة تجعل من الأفراد عقولاً منغلقة على ذاتها وعلى مجموعاتها، تتشابه في التعليقات وأسس الدفاع عن أفكارها المتفق عليها فيما بينهم، وتتناقض مع المجموعات الأخرى وما تعبر عنه من فكر أو رأى أو اتجاه وفيما ترفعه من شعارات وما تتبناه من توجهات.

لقد أحسن «ممداني» حين أشار إلى سردية الهجرة وهو يتحدث عن الكيفية التي يمكن أن نواجه بها ثقافة الكراهية، فقد حضر النبي إلى «يثرب» وهي تعيش حالة صاخبة من الاستقطاب بين الأوس والخزرج، ناهيك عن التحزب القائم بين العرب من أبناء القبليتين واليهود بمجموعاتهم الثلاث: بني قينقاع وبني النضير وخيبر، وحين هاجر المكيون إلى المدينة تعقد مشهد «المجاميع» أكثر وأكثر، حين ظهرت مجموعة المهاجرين مقابل مجموعة الأنصار من أهل يثرب. كان أول ما سعى إليه النبي هو ضرب فكرة الاستقطاب بين هذه المجموعات، فوحّد بين الأوس والخزرج، ثم آخى بينهم -كأنصار- وبين المهاجرين من أهل مكة، ثم صاغ «صحيفة المدينة» التى مثلت دستوراً ينظم العلاقة بين العرب واليهود والمشركين داخل المدينة.

وليس ثمة سبيل لمواجهة الكراهية داخل أي مجتمع سوى أن تتسامح مع المسيئين: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»، وأن تدفع بالتي هي أحسن «ادْفَعْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ»، وأن تتقبل الآخر المختلف عنك وتنفتح عليه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا».

ثلاث سبل يمكن أن تحاصر الكراهية داخل أي مجتمع: التسامح، ودفع السيئة بالحسنة، وقبول الآخر.