عن الأيديولوجيا أتحدث (3)
اعتبر سيمون مارتن ليبست الأيديولوجيا «ديناً علمانياً»، في حين نظر إليها تالكوت بارسونز على أنها «نظام لتفسير الظواهر حتى يسهل فهمها لدى فئات اجتماعية معينة». وتعامل كليفورد جيرنز على أنها «نظام رموز يجلب الاتساق إلى العالم، ينحدر من الثقافة، ويبعث الرضا في النفس، ويمد بالطريقة التي تُمكن الإنسان من فهم العالم المحيط به». وينطلق أنطوني جرامشي بمفهوم الأيديولوجيا من الطرح الماركسي ليرى أن الطبقات المسيطرة تهيمن على وسائط التنشئة الاجتماعية مثل الثقافة والدين والإعلام، وحتى الأسرة، لتصنع الطريقة التي يتلمَّسها الناس في إدراك العالم. ويمزج جورجس سوريل الأيديولوجيا بالأسطورة، ويرى أن الثانية تؤدي عمل الأولى. وهنا تبدو الأيديولوجيا عرضاً ذهنياً يستجيب لمطلب عاطفي، ومعادلاً سياسياً ووظيفياً للأسطورة.
ويتضمَّن تعريف باشلار للأيديولوجيا ثلاثة أسس يرى أنها تلعب دوراً مهماً في تكوين المفهوم، وهي الرغبة والمؤسسات والقيم. ويعني هذا أن التكوين الأيديولوجي يتولد عن رغبة سياسية واجتماعية لم يقع إشباعها، ويتم اللجوء إلى مؤسسة داخل المجتمع لإشباع هذه الرغبة. والمؤسسة بدورها تُضفي قيمة معينة تأخذها كهدف لتبرير سلوك الفرد تجاه السلطة، أو تجاه الآخرين. من هنا تحمل الأيديولوجيات كافة في طياتها تناقضاً بين مثالية النهج عندما تكون خارج السلطة وواقعية المنحى عند تسلمها السلطة. أما ماريو بونتي فيعتبر أن تكوين أي أيديولوجيا يعتمد على أمرين، الأول يتمثل في الحالة العقلانية للسند الذي تحاول إقامته، والثاني يرتبط بالعلاقة بين هذا السند والقيم التي تدعمها.
ويعني هذا ضرورة أن تكون للقيم التي تطوعها الأيديولوجيا لخدمة مسلكها أرضية اجتماعية، في حين يكون سندها العقلاني قادراً على تقديم التبرير الأخلاقي، وجلياً لا يمكن إنكاره. أما فيليب برو فيرى أن الأيديولوجيا هي «منظومات التمثلات التي تعمل في مجال المعتقد السياسي والعنف الرمزي»، ليُجمل مفهومها في ثلاثة عناصر، الأول يحيل إلى فكرة التنظيم، الذي يعني أنها ترتكز على حد أدنى من المنطق الداخلي، والبناء العقلاني، بما يجعلها ليست مجرد قوالب متجاورة. والثاني يستعيد مقولة المعتقد، الذي يستجيب للمتطلبات الأساسية للحياة الاجتماعية، ويسد الفراغات التي لا يمكن إحصاؤها في المعرفة المبرهن عليها. والثالث يستدعي مفهوم العنف الرمزي، الذي يرتبط هنا بوجود أساليب وأدوات لبث معتقد ما.
وبصفة عامة، فإن الأيديولوجيا هي نسق فكري متكامل يمثل دليلاً للعمل السياسي، ويطرح رؤية للتاريخ، ويعطي الحياة معنى وهدفاً، ويبرر الممارسات الاجتماعية والاقتصادية، ويخلع الشرعية على النظام السياسي، وقد يكون هدفها تغيير الوضع القائم، أو الحفاظ عليه. والأيديولوجيا إن تشابهت مع العلم، في كونها نظام لتفسير السلوك الاجتماعي، وفي احتوائها على الملاحظة والتحقق، فإنها تستند في جزء كبير منها إلى الانطباعات الذاتية. وهي مع ذلك تحدد الخطوط العريضة للأفعال الجماعية، وتساعد الفرد على تحديد موقعه داخل الإطار الاجتماعي/ السياسي.
وما سبق يُظهر أن لمفهوم الأيديولوجيا خمسة أبعاد، أولها إدراكي مرتبط بالمعرفة والعقيدة، وثانيها إثاري ينبني على المشاعر والعواطف، أما الثالث فهو تقييمي يتأسس على المعايير والقيم، ورابعها منهاجي يتعلق بالخطط والبرامج، وأخيراً الأساس الاجتماعي القائم على التنظيمات والجماعات المشاركة في صياغة الأيديولوجيا وممارستها على أرض الواقع. لكن المثقفين درجوا على استعمالها بمعناها الواسع دون التقيد بفرضيات نظرية معينة. وعلى النقيض تحدَّث بعضهم عن موت الأيديولوجيا وبؤسها.