زراعة الأعضاء.. حين يصبح الجسد رسالة حياة!

حين صدر القانون رقم 5 لسنة 2010 لتنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية، كان بمثابة خطوة تشريعية متقدمة بكل المقاييس.

القانون لم يترك مجالاً للارتباك أو الثغرات، فقد وضع تعريفات واضحة، واشترط الإرادة الحرة الموثقة، وأنشأ لجاناً رقابية، وجرّم الاتجار بعقوبات مغلظة.

من الناحية النظرية، نحن أمام قانون محترم، متوازن، يحقق المعادلة الصعبة بين حماية كرامة الإنسان وفتح باب الأمل أمام المرضى.

لكن، كما هو الحال مع كثير من القوانين الجيدة، تكمن المشكلة الحقيقية في التطبيق.

زراعة الأعضاء ليست مجرد إجراء طبي، بل ثقافة مجتمعية كاملة.

الدول التي نجحت في هذا المجال لم يكن سرها في النصوص وحدها، بل في وعي الناس، وفي حملات التثقيف، وتحويل التبرع بعد الوفاة إلى قيمة إنسانية راسخة.

أما عندنا، فما زلنا نتعامل مع الفكرة بحذر شديد، بل أحياناً بخوف.

جزء من هذا الخوف مفهوم، نحن أبناء حضارة قديمة تعاملت مع الجسد بعد الوفاة باعتباره وعاءً مقدساً يجب الحفاظ عليه كاملاً.

المصريون القدماء الذين أبدعوا في التحنيط لم يفعلوا ذلك عبثا، بل إيمانا بفكرة الخلود والبعث.

فكرة المساس بالجسد بعد الموت ليست سهلة على وجدان تشكّل عبر آلاف السنين على قدسية الجثمان وسلامته.

لكن الفارق واضح بين العبث بالجسد وبين تبرع إنساني موثق، بإرادة حرة، ينقذ حياة إنسان آخر.

القانون المصري لم يُجِز نقل عضو أو نسيج من متوفى إلا إذا كان قد أوصى بذلك قبل وفاته، فلا انتهاك، ولا قرارات تُفرض على الأسر في لحظة ضعف.

المسألة قائمة على الاختيار الواعي، وعلى منظومة رقابية صارمة، بل إن القانون وُضع أساساً لمنع الفوضى والسماسرة الذين استفادوا قبل صدوره.

ومع ذلك، ما زلنا نفتقد إلى ثقافة التبرع، سجل وطني واضح للمتبرعين، وحملات توعية جادة تشرح للناس الفارق بين «التبرع المنظم» و«الاتجار المجرّم».

كما نفتقد إلى ثقة مجتمعية كاملة في أن المنظومة تُدار بشفافية مطلقة.

الجدل الأخير حول التبرع بالجلد بعد الوفاة ليس إلا انعكاسا لهذه الفجوة الثقافية، فالجلد، بوصفه أحد الأنسجة التي ينظمها القانون، قد يكون سبباً مباشراً في إنقاذ مصابي الحروق وتقليل معاناتهم، لكن الفكرة اصطدمت بحاجز نفسي أكثر مما اصطدمت بحاجز قانوني.

الحقيقة أن قانون زراعة الأعضاء في مصر ليس المشكلة، المشكلة أننا لم نفعلّه كما ينبغي، ولم نبنِ حوله ثقافة عامة تدعمه، القوانين تصنع الإطار، لكن المجتمعات هي التي تمنحه الروح.

ربما يكون التحدي الأكبر أمامنا ليس تعديل النصوص، بل تعديل المفاهيم: أن نفهم أن كرامة الجسد لا تُنتقص حين يختار صاحبه أن يمنح جزءا منه حياة لغيره، وأن الحضارة التي آمنت بالخلود يمكنها أن تؤمن أيضاً بفكرة أن يظل الإنسان حاضرا… في حياة إنسان آخر.