أعاد ابتسامتها.. أول حوار مع جراح إسباني زرع وجه لمريضة من متبرع اختار «الموت الرحيم»

كتب: محمد عبد العزيز

أعاد ابتسامتها.. أول حوار مع جراح إسباني زرع وجه لمريضة من متبرع اختار «الموت الرحيم»

أعاد ابتسامتها.. أول حوار مع جراح إسباني زرع وجه لمريضة من متبرع اختار «الموت الرحيم»

قبل عدة أشهر، كانت حياتها تدور داخل جدران منزلها فقط، امرأة إسبانية نجت من حادث كاد أن يودي بحياتها، لكنها خرجت منه بوجه لم يعد يسمح لها بالعيش كما اعتادت، إذ أُصيبت بعدوى بكتيرية نادرة دمرت وجهها، جزء من الأنف اختفى، الشفاه تحولت إلى نسيج متندب، طرف اللسان تآكل، والجزء الأمامي من الفك العلوي انهار.

لم تعد الفتاة قادرة على التنفس بصورة طبيعية، ولا على التحدث بوضوح، ولا حتى على تناول الطعام، واليوم، وبعد عملية زراعة وجه من متبرع، وُصفت بأنها تاريخية، بدأت تمارس حياتها بشكل طبيعي، وعادت ابتسامتها لها، بعد أن تمكن فريق جراحي من مستشفى «فال ديهيبرون الجامعي» ببرشلونة في إسبانيا من إعادة الوجه والحياة للمريضة، اسمها الأول «كارمي»، ولم يعلن المستشفى هويتها بالكامل، كما رفضت طلبنا للتواصل معها.

عاشت خلف قناع.. حتى جاء دور الطب

المريضة التي كانت تختبئ خلف قناع، أصبحت قادرة على السير في الشارع بوجه مكشوف، والجلوس في مطعم، والالتقاء بأصدقائها، كما استعادت الإحساس في أنسجة الوجه المزروعة، وتتحسن حركته تدريجيًا مع برنامج تأهيلي قد يمتد لعام كامل، عادت قادرة على التنفس، والكلام، وتناول الطعام.

«الوطن» تحكي قصة العملية الجراحية

تواصلت «الوطن» مع الطبيب الجراح الذي أجرى عملية زراعة الوجه التاريخية، وهو الدكتور جوان بيير باريت، رئيس قسم الجراحة التجميلية والحروق في «فال ديهيبرون»، وأحد أبرز المتخصصين عالميًا في زراعة الوجه، لمعرفة تفاصيل العملية كاملة، وتطورات المريضة وحالتها الصحية، إذ تمثل تلك العملية الجراحية، نقلة نوعية في مسار زراعة الوجه على مستوى العالم.

شارك في تلك العملية الجراحية نحو 100 متخصص في عملية زرع الوجه الجزئي، بعد التبرع من مريضة اختارت القتل الرحيم عن طريق الوفاة الدورانية، وهي توقف الدورة الدموية والتنفس بشكل دائم، ما يؤدي إلى فشل أعضاء الجسم ونقص الأكسجين، وهي إحدى الطرق القانونية في الغرب، لتحديد الوفاة.

تخطيط دقيق قبل الجراحة

يبدأ الإعداد لزراعة الوجه منذ اللحظة الأولى التي يدخل فيها المريض إلى المستشفى، حيث لا تُعامل هذه الحالات كجراحات تقليدية، بل كمسار طويل من التخطيط الدقيق، ففي المستشفيات الكبرى التي تمتلك خبرة في جراحة التجميل والترميم، تُستقبل يوميًا حالات تشوه وجهي بدرجات متفاوتة، معظمها يُعالج بوسائل تقليدية، بينما تبقى زراعة الوجه خيارًا نادرًا لا يُطرح إلا في الحالات الأكثر تعقيدًا.

يقول باريت، إن خيار زراعة الوجه يُخصص للمرضى الذين يعانون من تشوهات كارثية أدت إلى فقدان وظائف أساسية، ومع تعبير المريض عن رغبته في الخضوع لزراعة الوجه، يبدأ مسار طبي وقانوني وأخلاقي بالغ التعقيد.

يخضع المريض لسلسلة طويلة من الفحوصات والإجراءات، مشابهة لما يحدث في زراعة باقي الأعضاء، تشمل الحصول على التصاريح الرسمية، وتوقيع الموافقات المستنيرة، إلى جانب تقييمات نفسية وطبية واجتماعية دقيقة، تضمن جاهزيته الجسدية والنفسية لخوض هذه التجربة الاستثنائية، كما لا يمكن المضي قدمًا دون موافقة اللجنة الأخلاقية بالمستشفى، والحصول على ترخيص وطني رسمي من الجهات المعنية بالتبرع بالأعضاء وزراعتها، بحسب «باريت».

تستمر المرحلة التحضيرية عدة أشهر، تشمل عقد اجتماعات تنسيقية لوضع الخطة الجراحية، والتحضير للعملية باستخدام الأشعة المقطعية والنماذج ثلاثية الأبعاد لمحاكاة الجراحة قبل الانتقال لغرفة العمليات.

عملية زراعة الوجه

كيف تجرى عملية زراعة الوجه؟

يوضح باريت، إن زراعة الوجه من أكثر العمليات الجراحية تعقيدًا، فعلى المستوى العام، تسير وفق منطق زراعة الأعضاء الصلبة، حيث تُدار العملية على مسارين متوازيين، أحدهما في المستشفى الذي يوجد فيه المتبرع (المريضة التي اختارت القتل الرحيم والتبرع)، والآخر في المستشفى الذي يُعالج فيه المتلقي.

وفي الوقت الذي يتولى فيه فريق جراحي متخصص استئصال الأنسجة والأعضاء من المتبرع، يبدأ فريق آخر بالتزامن في تحضير المريض، لا سيما تجهيز الأوعية الدموية اللازمة لإجراء المفاغرات الميكرووعائية.

تبدأ الجراحة من جانب المُتبرع وليس المريض، حيث يشمل التبرع الوجه والأعضاء الداخلية، وبعد إعلان الوفاة، تُجرى عملية حفظ الأعضاء الداخلية باستخدام تقنية مشابهة للأكسجة الغشائية خارج الجسم «ECMOk».

ويعني ذلك أنه بعد التأكد الكامل من الوفاة، يعاد تشغيل الدورة الدموية بشكل انتقائي لتغذية الكبد والكليتين والرئتين، دون الدماغ، إضافة إلى القلب، بالدم المؤكسج، وبهذه الطريقة، تعود هذه الأعضاء إلى حالة وظيفية مؤقتة، بينما يبقى باقي الجسم في حالة وفاة بيولوجية.

في الوقت نفسه، يُستخرج الرئتان بسرعة، ويُحضر فريق الكبد والكلى الأعضاء البطنية، بينما يبدأ فريق زراعة الوجه بإرواء أنسجة الوجه بسائل حفظ مبرد عند درجة حرارة 4 مئوية، عبر الأوعية فوق الصدرية، مع استبعاد الشريان السباتي الداخلي.

تدخل العملية بعد ذلك مرحلة التشريح الدقيق لاستخراج الوجه، وهي مرحلة قد تمتد من 3 إلى 5 ساعات، تبعًا لحجم الأنسجة وعدد العظام المطلوبة لإتمام الزراعة، وعقب الانتهاء من هذه المرحلة، يخضع النسيج المستأصل لتقييم دقيق يستغرق قرابة ساعة، للتأكد من صلاحيته الحيوية للزراعة.

وبمجرد التأكد من سلامة النسيج، يُمنح الضوء الأخضر للفريق الجراحي في المستشفى لبدء العملية، ومع الشروع في استئصال الوجه كوحدة واحدة، يُحدد الجراحون بدقة الشرايين والأوردة والأعصاب والعظام المطلوبة، قبل قطع العظام بعناية.

وفي النهاية، يُستأصل الوجه كوحدة متكاملة، أشبه بعضو مستقل، مزود بسويقتين (هياكل عظمية قوية وقصيرة) وعائيتين رئيسيتين هما الشريان الوجهي والأوردة الوجهية، تمهيدًا لزرعه في جسد المتلقي.

زراعة الوجه

أكثر من 50 عملية لزراعة الوجه على مستوى العالم

وفقًا لباريت، تعد تلك العملية هي الـ54 تقريبًا لزراعة وجه على مستوى العالم، من حيث التقنية الجراحية، كانت مشابهة لعمليات زراعة الوجه الأخرى، لكن ما ميزها هو أنها تمت في إطار تبرع بعد الوفاة القلبية لمريض خضع للقتل الرحيم، ما يجعل الإجراء بالغ التعقيد.

تبدأ عملية التبرع بعد تهيئة المتبرع وفق المعايير الأخلاقية والقانونية، ويُجرى حفظ الأعضاء بسرعة بعد توقف الدورة الدموية للمتبرع، لتقليل نقص التروية والحفاظ على صلاحية الأنسجة.

المرحلة الأكثر تعقيدًا

يضيف الجراح أن هذا المسار يعد الأكثر تعقيدًا، لأن الفترة الزمنية بين توقف القلب وإمكانية بدء حفظ الأعضاء والأنسجة تكون محدودة جدًا، ويجب التحرك بسرعة للحفاظ على حيويتها، لذلك تُجرى سلسلة من المناورات التقنية الدقيقة لتقليل زمن نقص التروية والحفاظ على صلاحية الأنسجة.

بعد أي عملية زراعة وجه، المشكلة الأكبر ليست الجراحة نفسها، بل استجابة الجسم لعملية الزراعة، أي جهاز المناعة، والذي يصفه باريت بأنه جيش داخل أجسادنا، إذ يرى الوجه الجديد كتهديد ويبدأ بمحاولته هجومه، ولتفادي ذلك، يعتمد الأطباء على أدوية تقلل نشاط هذا الجيش أو توقفه مؤقتًا.

في الماضي، كانت الأدوية نفسها المستخدمة في زراعة الكلى هي السلاح الرئيسي تاكروليموس، وميكوفينولات موفيتيل، وبريدنيزون، جميعها تهدف لتقليل نشاط المناعة ومنع الجسم من رفض الطُعم.

جهاز المناعة الخطر الأكبر

لكن يقول باريت، إن الأمر لا يقتصر على العلاج المستمر، فأثناء العملية، وبعد توصيل الشرايين للوجه المزروع، يحصل المريض على جرعات قوية من أدوية تقضي مؤقتًا على الخلايا المناعية.

في الحالة الأخيرة، أضاف الفريق دواءً حديثًا يُعرف باسم ريتوكسيماب، وهو نوع من الأجسام المضادة البيولوجية، هذا الدواء يقلل بشكل كبير من احتمالية الرفض الحاد في الأشهر الأولى، وهي الفترة الأخطر بعد الزراعة.

بفضل هذا البروتوكول الجديد، لم تظهر على المريضة أي علامات رفض، وهي الآن في مرحلة تثبيت الجسم على الوجه الجديد.

لكن السيطرة على الجهاز المناعي ليست مهمة مؤقتة، فالمريضة ستظل تتناول جرعات صغيرة يوميًا من الأدوية، غالبًا تاكروليموس، وأحيانًا بدون كورتيزون، طوال حياتها.

يؤكد الطبيب: «النجاح الحقيقي للجراحة إذن ليس فقط في تثبيت الوجه، بل في قدرة الفريق الطبي على إدارة جهاز المناعة بطريقة آمنة وفعالة، لتصبح حياة المريضة طبيعية مع وجه جديد تقبله جسدها بالكامل».

بحسب طبيب الجراحة التجميلية والترميمية، فأي عملية كبيرة تحمل احتمال حدوث مفاجآت، لكن الفريق الطبي كان مستعدًا لكل سيناريو محتمل، ولم يظهر أي شيء غير متوقع خلال هذه الجراحة المعقدة.

مخاطر عملية زراعة الوجه

تنقسم المخاطر بعد العملية الجراحية عادة إلى 3 أنواع رئيسية، أولًا، المشكلات الجراحية الدقيقة، أو ما يُعرف بـ«الميكروسيرجري»، حيث تعتمد زراعة الوجه على توصيل الشرايين والأوردة والأعصاب بدقة متناهية تحت المجهر.

لكن، أكثر ما يقلق الجراحين هنا هو انسداد الشريان، أو جلطة في الوريد، أو فشل في توصيل الأنسجة، وهي نفس المخاطر الموجودة في أي جراحة ترميم دقيقة، لكن في هذه الحالة، لم يحدث أي من ذلك.

ثم تأتي مشكلات التئام الجروح، فعملية زراعة الوجه هي في الأساس شريحة نسيجية كبيرة، ما يجعلها عرضة لضعف التئام الجرح، أو تسرب سوائل يعرف طبيًا بالناسور، أو عدوى، أو تورم شديد، لكن ولحسن الحظ، لم تظهر أي من هذه المشكلات أثناء العملية.

وأخيرًا، المخاطر المناعية، والتي تُعتبر الأخطر في أي عملية زراعة، مثل رفض الجسم الفوري للوجه أو تفاعل مناعي مفاجئ، ولم يحدث أي شيء من ذلك أثناء الجراحة.

يشير باريت، إلى أن السر يكمن في التحضير الكامل، ومستشفى ذو خبرة في زراعة الأعضاء، وفريق مدرب، وتجربة كل السيناريوهات قبل العملية: «أي شيء ممكن يحدث، لكن لو التحضير كامل، الطبيعي أن الأمور تسير بشكل جيد».

الحالة الصحية للمريضة بعد زراعة الوجه

يتحدث باريت عن المريضة بعد إجراء العملية الجراحية، قائلًا إنها ظلت في العناية المركزة خلال اليومين الأولين، حيث تابع الفريق الطبي كل تفاصيل حالتها.

استعادت المريضة وعيها بعد حوالي 48 ساعة من الجراحة، وكانت بحالة مستقرة دون أي أعراض جانبية أو مفاجآت غير متوقعة، كان المهم هو حماية الكلى ومنع جهاز المناعة من مهاجمة الوجه المزروع.

ومع مرور الوقت، بدأت المريضة تتحرك تدريجيًا، بعد يومين أو ثلاثة، استطاعت الجلوس على الكرسي والمشي داخل الغرفة، ومع مرور أسبوعين، كانت تتحرك خارج الغرفة، تستكشف العالم خارج أسوار المستشفى، شيء لم تكن قادرة عليه قبل العملية بسبب الجروح وصعوبات الحركة والأكل.

يقول: «التعافي الوظيفي للوجه كان بطيئًا لكنه مطمئن، استعادت حاسة الوجه تقريبًا بالكامل، وبدأت العضلات في استعادة حركتها الطبيعية، على أن يستمر العلاج الطبيعي وتمارين الوجه والكلام لمدة تتراوح بين 12 إلى 18 شهرًا لاستعادة كل الوظائف بشكل كامل».

التحسن لم يكن جسديًا فقط، بل اجتماعيًا ونفسيًا أيضًا، حيث أصبحت المريضة قادرة على الخروج إلى الشارع والمطاعم بثقة، وتظهر وجهها بحرية، مستعيدة جزءًا كبيرًا من حياتها الطبيعية: «العملية لم تمنحها وجهًا جديدًا فحسب، بل جودة حياة أفضل وإحساسًا بالحرية والانخراط في المجتمع».

تفاصيل حياة المريضة قبل العملية الجراحية

يوضح الجراح أنها كانت طبيعية حتى عام 2024، عندما أصيبت بعدوى شديدة ببكتيريا، ربما بعد لسعة حشرة أو إصابة بسيطة، وتطورت العدوى بسرعة إلى تسمم دموي شديد، ودمرت أجزاء كبيرة من جسدها، بما في ذلك أصابع اليد والقدم، بعض مناطق الفخذين، والجزء المركزي من وجهها، وعلى مستوى الوجه، كان ما حدث كارثيًا، حيث تعرض وجهها للتشوه، ولم تعد قادرة على الكلام أو الأكل أو التنفس بشكل طبيعي.

قبل العملية، كانت حياتها شبه متوقفة، اضطرت لأنبوب تغذية، فقدت وزنها، توقفت عن الحياة الاجتماعية، وواجهت نظرات الآخرين وسخريتهم بسبب مظهرها.

زراعة الوجه

استعادة حياة.. وابتسامة

وبعد زراعة الوجه، تغيرت حياتها بالكامل، حيث استطاعت تناول الطعام، لقاء الأهل والأصدقاء، العودة للعمل، والتحدث والابتسام بحرية، كما يقول الطبيب: «نحن لا نستعيد وجهًا فقط.. نحن نستعيد حياة».

السؤال الأبرز لعملية زراعة الوجه بالكامل، هو هل تشبه المريضة نفس وجه المتبرع؟ هنا يوضح الطبيب أنه قبل عقدين من الزمن، عندما بدأت عمليات زراعة الوجه، كان السؤال الأكثر تداولًا بين الناس، هل سيحصل المتلقي على وجه يشبه المتبرع؟

يواصل باريت التوضيح، بالإشارة إلى أن زراعة الوجه لا تنقل وجه المتبرع كما هو، بل تُنشئ هوية جديدة بالكامل، فالعملية تعتمد على مزيج من شكل العظام، العضلات، والأنسجة، لتكوين وجه لم يكن موجودًا من قبل، سواء للمتبرع أو للمريض الأصلي.

ويتابع بأن المرضى غالبًا ما يتقبلون هذا الوجه الجديد بسرعة، لأنهم اعتادوا على ملامحهم المشوهة أو المتضررة: «رؤية وجه طبيعي وإنساني بعد سنوات من التشوه تمنحهم شعورًا بالرضا والطمأنينة».

لكن في حالة المريضة الإسبانية، يقول إن الأمر مختلف: «بعد العدوى والتسمم الذي دمر جزءًا كبيرًا من وجهها، أعادت الزراعة الجزئية للوجه ملامحها الأصلية تقريبًا، وجه المتبرع لم يظهر على الإطلاق، ما استعادته كان هويتها الخاصة قبل المرض، وليس هوية الشخص المتبرع».

الفريق

مستقبل زراعة الوجه حول العالم

يتحدث باريت عن مستقبل زراعة الوجه حول العالم، قائلًا إنه «سيبقى محدودًا»، إذ قد تبدأ بعض الدول برامج لمساعدة المرضى الذين يحتاجونها، لكنه لا يتوقع أن يصبح إجراءً شائعًا في المستشفيات الكبيرة، بسبب تعقيد العملية وقلة عدد المرضى الفعليين.