أشرف غريب يتذكر: «الحامولي» يُحيي ليالي رمضان من فوق مئذنة الحسين

كتب: محرر

أشرف غريب يتذكر: «الحامولي» يُحيي ليالي رمضان من فوق مئذنة الحسين

أشرف غريب يتذكر: «الحامولي» يُحيي ليالي رمضان من فوق مئذنة الحسين

في زمن لم تكن فيه النظرة الضيقة تحكم العلاقة بين الفن والدين حين كانت النفوس سمحة مرنة، لا تخلط في إيمانها بالله بين الحلال والحرام، كان كبار الأسماء في عالم الطرب والموسيقى هم من هؤلاء المشايخ الذين تلقوا تعليماً دينياً (بعضهم كانوا من تلامذة الأزهر الشريف) ومارسوا طقوس الابتهالات والتواشيح ومدح الرسول الكريم وآل البيت، ومن هؤلاء على سبيل المثال الشيخ سلامة حجازي، الشيخ سيد درويش، الشيخ درويش الحريري، الشيخ زكريا أحمد، ثم الشيخ سيد مكاوي في زمن لاحق، وفيهم من كان يعلن عن المئذنة التي سيصدح فوقها فيتوافد المصلون إلى المسجد ارتقاباً لصوته، وللموسيقار محمد عبدالوهاب ربيب مسجد الإمام الشعراني بالقاهرة الذي كان والده وأحد أعمامه مقيمين للشعائر به أسطوانات قديمة تحمل أنواعاً من الابتهال الديني مما تردده المآذن، ولم يكن المسلمون وحدهم يطربون لتواشيح رمضان بل كان يشاركهم كثير من المواطنين المسيحيين، ويحدثنا تاريخ الطرب في مصر المحروسة أن هؤلاء المشايخ المطربين كثيراً ما أحيوا الليالي الرمضانية في بيوت كبار الأعيان وباشاوات هذا الزمن الجميل، وأن كل هؤلاء قد صعدوا مآذن المساجد الكبرى في القاهرة وبقية المحافظات وصدحوا بالأذان لا سيما وقت صلاتَي العشاء والفجر، وأن بعضهم لم يكن يكتفي بالأذان، وإنما كان يملأ الفترة ما بين العشاء والسحور بمجموعة من الابتهالات والتواشيح.

غير أن أشهر من اعتلى مئذنة المساجد وصدح بالأذان والابتهالات الدينية كان المطرب عبده الحامولي (1836-1901) في زمن لم تكن فيه البشرية قد عرفت بعد مكبرات الصوت، ومع ذلك كان صوته يملأ أرجاء المكان ويتهافت الناس عليه يُحيون معه ليالي الشهر الكريم، وقد تحدث الشاعر الكبير خليل مطران في مقال نشره الدكتور محمد صبري السوربوني فيما جمعه تحت عنوان «خليل مطران وأروع ما كتب» عن عبده الحامولي وإحيائه ليلة ساهرة من ليالي رمضان على مئذنة مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، فكان مما قال:

«إن الخبر قد انتشر بين الناس بأن عبده الحامولي سينشد تسابيح دينية بعد أذان العشاء، وما لبثت الإشاعة أن جالت جولة البرق بين الجماهير، وفي الحي كله، فلم يأزف وقت الأذان حتى كانت المقاهى وشرفات المنازل المجاورة، والساحة الممتدة أمام المسجد، تحتوي من الخلق ما لا يدرك البصر آخره، وقد بدأ عبده إنشاده بصوت هادئ ينحدر إلى المسامع، وفيه كل الوقار والخشية من الله، وكل الرجاء في فضل الله ومغفرته، وكان يغالب العاطفة المتدفقة من قلبه ليتدرج في إبرازها، والجمهور في أثر كل وقفة من وقفاته يملأ الجو تهليلاً وتكبيراً.

يا لله رجل في أعلى المنارة لا يبدو منه إلا شبح صغير ضئيل، وهو الذي من أجله تتوافد هذه الجماهير، وكأنهم فقراء ينتظرون من محسن عُلوي تنزيل الأقوات! لسان تتصل به نياط القلوب لتهتز بحكم نبراته أشهى الاهتزازات، ولتحلق على أجنحة صاعدة إلى السماوات، نسمة تخرجها شفتان فتقسمها أرواح لا تحصى، وتتخذ منها غذاء من جوع، ورياً من ظمأ».

وقد تجاوز صيت المطرب عبده الحامولي حدود مصر إلى بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، بل إلى إسطنبول عاصمة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت، وكان السلطان عبدالحميد يطلب أحياناً استدعاءه إليه في الأستانة أو إسطنبول ولا سيما في أيام شهر رمضان ليحيي له ليالي الشهر الفضيل، بجانب علاقته الحميمة بالخديو إسماعيل في مصر، وهو الذي جعل زوجته -في ذلك الوقت- المطربة ألمظ تجوِّد القرآن الكريم من وراء حجاب حينما أصر الخديو إسماعيل المتيم بسماع صوتها، ولم يكن أحد يستطيع عصيان أوامره، فتفتق ذهن الحامولي عن هذه الحيلة لتفادي عقاب صديقه الخديو، وهو المشهد الذي قدّمه المخرج حلمي رفلة في فيلم «ألمظ وعبده الحامولي» من بطولة وردة الجزائرية وعادل مأمون، ويقال إن إسماعيل لم يغفر للحامولي هذه الخدعة، لكن كان يمنعه عنه حماية السلطان عبدالحميد للمطرب الشهير، وخشية أن يغضب منه سلطان الأستانة إن هو أقدم على عقاب الحامولي.