التجربة الإندونيسية (3)

بقلم: د. عمار على حسن كتب: محرر

التجربة الإندونيسية (3)

التجربة الإندونيسية (3)

تسعى الدولة التي تتكون من 13 ألف جزيرة عائمة في المحيط الهادي، إلى جعل تنوعها مصدراً للقوة وليس للضعف والتفكك، لذا كان عليها أن تبدع صيغة تحكم علاقة مستقرة بين سكانها الذين ينتمون إلى 300 عرق ويتحدّثون 250 لغة ويدينون بأديان عدة أولها الإسلام، ويدين به 86.1 في المائة، ثم البروتستانت 5.7 في المائة، والكاثوليك 3 في المائة، و1.8 في المائة، و3.4 في المائة يعتنقون معتقدات أخرى.

ومن أجل المحافظة على وحدتها، صاغ الرئيس سوكارنو عام 1945، وعقب انتهاء الاحتلال الياباني مباشرة، مبادئ خمسة لتحكم دستور الدولة يسمى «البانكسيلا» التي تعني بالعربية «كلمة سواء» جاءت على النحو الآتي:


- الإيمان بإله واحد.
- إنسانية عادلة ومتحضّرة.
- وحدة إندونيسيا.
- الديمقراطية تقودها الحكمة الداخلية في توحد ناشئ من المداولات بين الممثلين.
- العدالة الاجتماعية لجميع أفراد الشعب الإندونيسي.

حين زُرت جاكرتا كانت الحياة السياسية الإندونيسية لا تعرف أي احتكار، فالانتخابات التي أُجريت قبل ذهابي بثلاث سنوات، توزّعت فيها حظوظ الفائزين في شكل فيه مقدار كبير من التوازن، فالحزب الديمقراطي لم يحصل سوى على 20.9 في المائة، وبعده جاء حزب جولكار بـ14.5 في المائة، وهكذا...


وجرت هذه الانتخابات في سلاسة تامة، إذ إنّ عدد المقترعين في اللجنة الواحدة لا يزيد على 300 شخص، وأشرف عليها سكان كل منطقة بأنفسهم، في شفافية تامة، وكان يتوجّب على المرشحين للرئاسة أن يمروا باختبارات طبية دقيقة، بما فيها اختبار الذكاء، بعد أن ابتُليت البلاد برئيسة غير متعلمة ورئيس شبه ضرير عقب سقوط سوهارتو.


لقد تحدّث الإمام محمد عبده حين ذهب إلى أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر عن أنه وجد إسلاماً بغير مسلمين، وفي إندونيسيا هناك إسلام بمسلمين، ينصرف إلى الجوهر ويتفاعل مع مقتضيات العصر، فلا تجد الشوارع مزدحمة بأصحاب اللحى ومرتديات النقاب، بل تجدها عامرة بالسلوك القويم والرضا والاعتزاز بالدين والرغبة المتجدّدة في تحسين شروط الحياة.


كنت قبل أن أزور هذا البلد الأخضر الأزرق، حيث الأرخبيل المطير، أضرب مثلاً بتجربة إندونيسيا مع الإسلام، فأقول: أكبر دولة يقطنها مسلمون في العالم لم يدخلها الإسلام بحد السيف. وأضيف: الإمبراطورية الإسلامية في أيام الأمويين والعباسيين والعثمانيين اتسعت عنوة، وتحت سنابك الخيل، لكن الإسلام نفسه لم يكن في كل الأحوال مربوطاً بهذه النزعة، وخير دليل على هذا إندونيسيا. ولذا كان هذا البلد الذي أدخله التجار اليمنيون، بورعهم وأمانتهم، في رحاب جغرافية الإسلام الممتدة من غانا إلى فرغانة، حاضراً تماماً في سجالاتنا، التي لا تتوقف، حتى إننا أتينا على ذكر هذا خلال المؤتمر، رغم أن سامعينا من أهل إندونيسيا ليسوا بحاجة إلى مثل هذا الكلام.


بعيداً عن المؤتمر، والكلام المباشر في السياسة وعنها، أخذنا منظمو المؤتمر في جولة بمعالم المدينة، ومنها حديقة واسعة بها قصر سوكارنو، الذي يبدو على جماله غاية في البساطة، تستريح لردهاته الغارقة في نور الشمس، وأسقفه الهادئة، وجدرانه البيضاء الوديعة، ثم حجراته الواسعة.

إحدى هذه الحجرات كان عليها سرير خفيض، مفروشة فوقه ملاءة بيضاء، وواحدة مثلها تغطي وسادة لينة، ينسكب عليها نور ساطع، يتدفّق من نافذة ذات ألواح خشبية.


نظر المرشد السياحي إلى وجوهنا وقال:
- على هذا السرير نام الرئيس جمال عبدالناصر.
وتطلعنا إلى عينيه متعجبين، فواصل:
- عبدالناصر زار إندونيسيا عدة مرات، وكان إن أراد المبيت قضى ليلته في هذه الغرفة، التي بقيت على حالها، لا يدخلها أحد، تكريماً له. وهو ما يجري أيضاً بالنسبة لغرفة أقام بها ناصر في فندق «سافوي» القريب من المكان الذي شهد مؤتمر «باندونج» لعدم الانحياز عام 1955. الغرفة لا تزال تحتفظ باسم ناصر، بل صارت متحفاً صغيراً له، يحوي بعض أدواته الشخصية، وصوراً تم التقاطها له أثناء إقامته بالفندق، وفي أروقة المؤتمر.