ثلاث روايات صوفية (2)
انحاز أدهم العبودي في روايته «حارس العشق الإلهي» إلى التاريخ البصري لأمكنة عجيبة، وخطفته وقائع اجتياج المغول للعالم الإسلامي، فإن حالة بطليه الحقيقيين «جلال الدين الرومي» وشيخه «شمس تبريزي» وصورتهما المعروفة فرضت نفسها عليه، سواء من خلال جدل علاقة الإنسان بالمكان، أو نظرته العميقة إلى الذات والشخصيات والوقائع والأشياء، وتقديره للمواقف والمشاعر وطرائق التعبير عن دخائل النفس، وقبل كل هذا ارتباط الذهن والقلب بخالق الكون وصانعه، عبر التفكير فيه، والتوسل إليه، وسؤاله الدائم عن كل ما غمض أو شرد أو ضاع في متاهات الحياة، أو حتى التعبير عن العجز في فهم حكمته بينما يغرق البشر في صراعات دموية.
لم يسلك العبودي الطريق نفسها التي سارت فيها الروائية التركية أليف شافاق في روايتها التي ذاع صيتها في العالم العربي خلال السنوات الأربع الأخيرة «قواعد العشق الأربعون»، التي جدلت فيها الحاضر بالماضي لتحكي سيرة تبريزي والرومي بالتوازي مع سيرة امرأة ورجل يعيشان في أيامنا، ويتبادلان الصور والرؤى والشعور مع هذين الصوفيين العظيمين، فالعبودي لم يعنه سوى ارتباط بطليه بمكانهما وزمانهما، حتى لو استعاد بعض الشخصيات التي أحاطت بهما، وفصلت شافاق فيها، مثل «كيرا» و«كيما»، مستعيناً بحوليات تاريخية وخرائط جغرافية، مكنته من أن يصف ببراعة معالم مدن «مرو» و«نيسابور» و«قونية» وبناياتها وشوارعها العتيقة، وتضاريس الصحاري والجبال والوديان، ثم تفاصيل المعارك المروعة التي خاضها المغول، وهم يطلقون سيوفهم في رقاب الخائفين، بينما تدوس سنابك خيولهم ملك العالم الإسلامى القديم وتسقطه بلا روية ولا ورع.
ساعد عبودي على أن يحقق ما أراد قاموس لغوي ثري، صنع به مقاطع فاتنة، تحقق ثلاثة أمور في وقت واحد، الأول هو الوصف البارع للمناظر والمشاهد والمعالم، والثانى هو محاولة الغوص إلى جذور أفكار وقيم وتصورات ورؤى صوفية وفلسفية، والثالث هو صناعة تاريخ موازٍ، لم تأت على ذكره الكتب التي عاد إليها وعددها في نهاية روايته، إنما كانت بنت الخيال، الذي بوسعه أن يرمم الشروخ، ويسد الفُرج، ويشق مساراً مختلفاً عما ألفه الناس، وهو أمر لا يحمل أي تجاوز، لأن ما وصل إلينا من أخبار تبريزي والرومي ليس هو بالضرورة ما جرى بالضبط، إنما بعض ما كتبه الرومي، وما كتبه آخرون عن هذين الشيخين الكبيرين، اللذين لا يزالان قادرين على أن يشغلا الناس في زماننا، ويشغلان القادمين في زمن لاحق، ليس بسيرتهما المحفورة في تاريخ التصوف الإسلامي، بل الإنساني، كعلاقة بين الشيخ والمريد أو بين المعلم والتلميذ، يجب أن يحتذى بها، إنما نظراً لأن النصوص النثرية والشعرية التي تركتها تجربتهما المذهلة لديها قدرة على تجاوز حدود الزمان والمكان، وإطلاق العجب والعبرة والانبهار في نفس كل من يطلع عليها. وربما أعطى المبدأ الذي يتفق عليه بعض المؤرخين ويرى أن «التاريخ اختيار» فرصة للكاتب كي يقول لنا إنه يتناول تاريخا سرياً لمولانا جلال الدين الرومي.
والتاريخ هنا، ليس فحسب ما جرى من التتار وفي مواجهتهم، إنما هو أيضاً تاريخ اللغة التي كانت سائدة في ذلك الزمن، ولا أقصد هنا اللغة المحكية أو المتداولة بين الناس، إنما اللغة التي كان يكتبها المتصوفة وينطقون بها، التي أثرت كثيراً في أسلوب العبودي، الذي أتى قوياً ذا جرس وإيقاع مدوٍ، تغلب عليه الشاعرية، ويميل إلى الإسهاب في الوصف ليرسم صوراً بصرية ثرية لما جرى في زمن غابر، لكن آثاره لا تزال قائمة إلى أيامنا تلك، وليس أدل على هذا من كون شعر الرومي هو الأكثر قراءة في الغرب حالياً، بعد ترجمته، واكتشاف الأعماق الروحية والإنسانية الكامنة فيه.
إن فتنة اللغة أخذت الكاتب من الحكاية، فلم ينشغل بها، مدفوعاً بكل كيانه إلى التجريب والمغايرة، متوسلاً باللغة كأداة لتحقيق هذا الهدف، فهى قادرة على أن تلفت الانتباه لذاتها، ولا تؤدى بالضرورة إلى بناء أى معنى في كل مواقع الرواية، لكنها قد تأخذ بلب القارئ فلا ينشغل بمسار الحكاية، أو معمار الرواية، أو يسأل عن القصة في هذا الكتاب، ومن الممكن ألا ينشغل بتجميع نثارها من بين فصول الرواية الموزعة على الرومى وشيخه وبعض خلصائه ومن حوله، وقد يجد نفسه متساوقاً مع الكاتب الذي ترك نفسه لبحر اللغة الهادر ليقذفه إلى حيث يشاء، لدرجة أن الاستشهاد على هذه الحال من النص يبقى غاية في الصعوبة، وقد يستغرق النص كله إلا من عبارات قليلة.
بهذا تتباطأ الأحداث داخل الرواية، لتقف طويلاً على عتبات اللغة، وقد لا يأتي انتظارها بجديد، ويكون عليها أن تنكمش أمام طوفان لغوي يدعو القارئ إلى نص استمد من الصوفية سحر الصور وعمقها وغموضها وسعيها إلى مفارقة معطيات وتفاصيل قد تجمدها عند اللحظة التاريخية القديمة ولا تسمح لها بتجاوز حدود الزمان والمكان.
فرغم أن الكاتب وضع مراجع في نهاية روايته، منها «تاريخ الإسلام» للذهبي، و«الكامل» لابن الأثير، و«قواعد العشق الأربعون» للتبريزي، و«المثنوي» للرومي، فإنه لم يلتزم بما ذكرته هذه الكتب، وأطلق العنان لخياله، ليتصور الوقائع والأحداث كيفما شاء، ويضع الشخصيات في القوالب والمسارات التي عنت له، إلى درجة أنه لا يجد غضاضة في إضفاء أبعاد مادية وحسية، بل شهوانية، عليها، مثلما صور في علاقة «شمس» بـ«كيما»، أو وصف عرس كان حافلاً بكل ما لذ وطاب.
وكأن الكاتب أراد أن يجعل من شخصيات روايته «شمس» و«جلال» و«كيما» و«شاهين» و«كيما» و«كيرا» وقبلهم جميعاً «بهاء الدين» والد «جلال» أمثولة تتجاوز الصورة التي وقرت في الأذهان عنها من قراءة الحوليات التاريخية أو النصوص الأدبية التي عبرت عنها، أو كأنه أراد أن يجردها من كل هذه الحمولات التاريخية ويعيد تشكيلها حسبما يريد، وهو ما جعله يستخدم ضمير «المتكلم» ليقبض على كل شخصية، يتكلم بلسانها، ويرى لها ما يجب عليها أن تراه، ويخطو بها نحو ما يهوى وما يرغب هو في الذهاب إليه، فصارت أسيرة له، وفقدت حريتها التي أعطتها لها التركية شافاق، حتى إنه يمزج بين شخصية «شمس» و«جلال» فيعطي المشهد الأخير في روايته عنوان «مولانا شمس الدين الرومي»، ويقول آمراً الاثنين:
«ذب، لا تهمك الأسماء، في هذه اللحظة بالذات، نحن خارج حدود الوعي، إن التوحد هو سر العشق الإلهي، هو الحقيقة المطلقة، الحقيقة التي ليس قبلها ولا بعدها حقائق، أنا وأنت، شمس وجلال، أو جلال وشمس، أو روح العشق، أو كل الأسماء المدمجة، لا يهمك».
وفي أغلب محطات الرواية يقبض الكاتب على لسان ومخيلة «شاهين» الدرويش الأعمى الملازم لشمس تبريزي، الذي دفعته مصادفة إلى أن يحب «كيرا» التي تزوجها الرومي فيما بعد، ليصير هو الوسيط الذي ينقل الكاتب عبره بعض قواعد العشق، التي وضعها التبريزي.