«رأس الأفعى» يكشف من داخل غرف الظل المعركة الخفية بين الدولة والتنظيمات الإرهابية
«رأس الأفعى» يكشف من داخل غرف الظل المعركة الخفية بين الدولة والتنظيمات الإرهابية
سلط مسلسل «رأس الأفعى»، أحد أبرز الأعمال الدرامية التي تقدمها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الضوء على أحد أخطر وأعقد ميادين المواجهة الحديثة، وهو «حرب المعلومات»، التي أصبحت تمثل سلاحا استراتيجيا حاسما في معركة الدولة ضد التنظيمات الإرهابية، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على السلاح التقليدي، بل امتدت إلى صراع استخباراتي دقيق يدار داخل غرف الظل، ويعتمد على جمع المعلومات وتحليلها وتفكيك شبكات التنظيمات قبل تنفيذ مخططاتها.
وكشف العمل الدرامي كيف تعتمد الدولة على منظومة متكاملة من الرصد والمتابعة والتخطيط الاستباقي، لمواجهة محاولات التنظيمات الإرهابية في الاختراق والتجنيد ونشر الأفكار المتطرفة، شمن رؤية درامية تعكس جانبا من بطولات الأجهزة الوطنية، وتبرز أهمية معركة الوعي والمعلومة كخط دفاع أول لحماية الأمن القومي والحفاظ على استقرار الدولة.
وفي هذا الصدد، أكد عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية وتيارات الإسلام السياسي، أنّه منذ نشأة جماعة الإخوان عام 1928، تعمل الأجهزة الأمنية المصرية على وقف تغلغل المنهجية الفكرية للتنظيمات السرية بين أروقة مؤسسات الدولة الوطنية، وحمايتها من التفكك والانصياع للمشروع الإخواني، في ظل مخطط استعماري تمكيني يدعم ما يُعرف بـ"أستاذية العالم"، للسيطرة على المنطقة العربية وخيراتها، مشيرا إلى أن المعركة بين الأجهزة الأمنية والجماعات الأصولية المسلحة أخذت حيزًا كبيرًا من تاريخ الدولة المصرية، نظرًا لكثافة العمليات المسلحة التي استهدفت إرباك المشهدين السياسي والاجتماعي، وتصدت لها وزارة الداخلية المصرية، التي فقدت فيها العديد من أبنائها وقياداتها، بداية من اغتيال اللواء سليم زكي، أول رئيس لجهاز أمن الدولة المصري، في ديسمبر عام 1948.
محاولة اختراق جماعة الإخوان
وأضاف أن تعرية التنظيمات السرية الأصولية من داخلها كان يستلزم دائمًا الوصول إلى المعلومات التي تحويها بين جدران عمقها التنظيمي، ومن ثم كان الوصول إلى المعلومات مقصد الأجهزة الأمنية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، إذ عمل جهاز الأمن السياسي المصري، الذي تأسس عام 1913، على محاولة اختراق جماعة الإخوان، وتجنيد عددٍ من أفراد تنظيمها بهدف إسقاط النقاب عن تحركاتها ومخططها في الداخل المصري، الأمر الذي كان دافعًا لقيام حسن البنا بتأسيس ما يُعرف بجهاز "مخابرات الإخوان"، وأسند إلى محمود عساف، في محاولة لوقف تمدد اختراق الهيكل التنظيمي.
ولفت الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، إلى أن الإخواني محمود عساف، قال في مذكراته إن البنا طالبهم باختراق الأحزاب والهيئات الأخرى والمؤسسات الحكومية، وأنه تولى الإشراف على جهاز "مخابرات الإخوان"، وذلك تأكيدًا أيضا لما ذكره محمود عبد الحليم (أحد قيادات النظام الخاص) في كتاب "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ"، مشيرا إلى أن الصراع بين الأجهزة الأمنية وجماعة الإخوان، ومن بعدها التنظيمات المتطرفة، على فكرة الوصول إلى المعلومة، كان بداية للكثير من الأحداث التي دارت في عمق الشارع المصري، من خلال كشف العديد من الخلايا التنظيمية المسلحة، أو من خلال استهداف ضباط الشرطة ومسؤولي جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حاليًا)، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية نجحت في تدريب بعض العناصر الشبابية من رجالها، وصبغهم سلوكيًا وفكريًا بتوجهات التنظيمات المتشددة والتكفيرية، لدرجة أوصلت أحد ضباط جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حاليًا) لتولي منصب النائب الأول لإحدى خلايا تنظيمات الجهاد المسلح، كما تم تجنيد مسؤول الدعوة بالجماعة الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي، والذي أمد الأجهزة الأمنية بخريطة كاملة التفاصيل عن أماكن التدريب والتجهيز الفكري والعسكري، وأهم محطات الدعم اللوجستي، والهيكل التنظيمي وقياداته، لافتا إلى أن محامي الجماعات الإسلامية منتصر الزيات كان مصدر المعلومات حول خطة هروب عبود الزمر وعصام القمري من السجن الحربي، وأنه تم الإفراج عنه عام 1984 لتعاونه المستمر مع الأجهزة الأمنية ومدّها بكافة التفاصيل الخاصة بتنظيمات الجهاد.
وقال إنه في نهاية عام 2014، تمكن قطاع الأمن الوطني من اختراق اللجان الإخوانية المسلحة، وضبط جهاز "لاب توب" محمّل عليه التفاصيل الكاملة للهيكل التنظيمي للجان النوعية المسلحة التي أسسها محمد كمال، وخريطة الأماكن المستهدفة، ومحاور المشروع المسلح للجماعة، وملفات تفصيلية كاملة عن القيادات الأمنية بأسمائهم الحقيقية والحركية، ودرجاتهم الوظيفية، وعناوين منازلهم، ومعلومات عن أسرهم، كما ضمت محتويات الجهاز الإلكتروني الكثير من المراجع الفكرية المتطرفة التي يتم من خلالها التأصيل الشرعي لتكفير رجال قوات الجيش والشرطة، واستباحة دمائهم وأموالهم، والإجازة الشرعية للمواجهات المسلحة مع قوات الأمن المصرية، والمراجع العسكرية التي يتم بها تدريب عناصر اللجان النوعية على التعامل مع المتفجرات وتصنيعها، وطرق الاستهداف والاغتيالات.
وتابع: "ومنذ يونيو 2013، وعقب إسقاط حكم الإخوان، شنت الجماعة وفصائلها المسلحة عددًا من العمليات التي استهدفت ضباط الأمن الوطني تحديدًا، في مقدمتهم الرائد محمد أبو شقرة، الذي تم اغتياله في 10 يونيو 2013، واغتيال المقدم محمد الحوفي، أحد ضباط الأمن الوطني المعنيين بملف التطرف ومكافحة الإرهاب، في 14 إبريل 2020، وتم اغتيال المقدم أحمد فايز، الضابط بالأمن الوطني ومسؤول ملف الإرهاب بمحافظة الجيزة، خلال معركة "الواحات البحرية" في أكتوبر 2017، إذ كان على رأس قائمة الاغتيالات التي وضعتها التنظيمات التكفيرية، بحكم مسؤوليته عن ملف الإرهاب، كما أنه أجهض العديد من مخططات الجناح المسلح للتنظيمات التكفيرية بتنوعاتها المختلفة، فضلًا عن مسؤوليته عن القضية رقم 396 جنايات أمن الدولة، المعروفة إعلاميًا بـ"خلية الصواريخ"، التي أجرى تحرياتها وكان شاهد الإثبات الأول بها، والمسؤول عن ضبط المتهمين البالغ عددهم 36 متهمًا، وكذلك كان المسؤول عن جمع التحريات في قضية "جند الشام" عام 2014، يُضاف إلى ذلك استهداف المقدم محمد مبروك، المسؤول عن متابعة نشاط جماعة الإخوان بقطاع الأمن الوطني، وتلميذ اللواء أحمد رأفت (الحاج مصطفى رفعت)، أحد العقول الأمنية المصرية التي انحازت بقوة لما يُسمى بـ"المراجعات الفكرية" في محاصرة موجات العنف في تسعينيات القرن الماضي، وتفعيل مبادرة الجماعة الإسلامية تحت عنوان "تصحيح المفاهيم" عام 2002، وتبعتها تنظيمات الجهاد المصري من خلال وثيقة "ترشيد العمل الجهادي" عام 2007، التي كتبها الدكتور سيد إمام، موضوحا أنه في إطار حرب المعلومات ودورها في كشف غموض التنظيمات المتطرفة وتحديد وجهتها ومشروعها في عمق الشارع المصري، تمكن جهاز أمن الدولة في تسعينيات القرن الماضي من ضبط "خطة التمكين"، التي بدأ تفعيلها منذ عام 1991.
تطهير المؤسسات الرسمية من التغلغل الإخواني
وأردف أنه منذ اللحظات الأولى لنظام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في يونيو 2014، اتخذ حزمة من القرارات الصارمة بهدف تطهير مختلف المؤسسات الرسمية من التغلغل الإخواني، وعرقلة فكرة تمددهم في الجهاز الحكومي للدولة المصرية وتطويعه بما يحقق أهدافهم التخريبية، وبالتبعية الحد من وجود المكون المعلوماتي والاستخباري الإخواني، مضيفا: "كانت القضية رقم 138 لسنة 2015 عسكرية، والمتهم فيها 28 إخوانيًا، كاشفة بوضوح عن الدور الفاعل لجهاز "مخابرات الإخوان" في التجسس على الجهاز الحكومي والمؤسسات الأمنية في القاهرة، أملًا في إسقاطها وتفكيكها".
ولفت إلى أن تحقيقات القضية أظهرت سعي عناصر الجماعة لاختراق قاعدتي بيانات وزارتي الداخلية والدفاع، والحصول على قائمة كاملة بأسماء ضباط الشرطة والجيش وأماكن توزيعهم وخدماتهم الأمنية، والحصول على نسخة من أرشيف معلومات البورصة المصرية، والشركات المتعاملة معها، والأسهم المتداولة صعودًا وهبوطًا، وكل الإخطارات الواردة إلى البنك المركزي المصري بالتحفظ على الشركات المتعلقة برجال الأعمال المتعثرين والقائمة الكاملة لأسمائهم، موضحا أن تلك المعلومات تطابقت مع ما صرّح به ضابط المخابرات العامة المصرية السابق اللواء سامح سيف اليزل، من أن الإخوان امتلكوا جهازًا استخباريًا قبل سقوط نظام مبارك، وأشرف عليه خيرت الشاطر من داخل أحد المقار التابعة للجماعة في مدينة نصر، فضلًا عن تصريحات المستشار عزت خميس، رئيس لجنة التحفظ وإدارة أموال جماعة الإخوان، عن أن من ضمن الأوراق المتحفظ عليها في مكتب الإرشاد بالمقطم مشروعًا للسيطرة على أجهزة الاستخبارات المصرية واختراقها، تمهيدًا لاستبدال كيانات أخرى بها على مثال الحرس الثوري الإيراني، تدين بالولاء للجماعة ومرشدها.