أخطر توقيت في رمضان

قبل أذان المغرب بعشر دقائق فقط، يدخل العالم منطقة زمنية خاصة لا تعترف بقوانين المنطق ولا قواعد الدبلوماسية. إنها «منطقة ما قبل الإفطار»، حيث تتحول أعصاب البشر إلى شعيرات كهرباء مكشوفة، وأي كلمة أو إشارة أو حتى كلاكس سيارة قد تشعل «خناقة» أو معركة بالأيادي وقد يتطور الموقف لعزومة في قسم الشرطة.

في هذه اللحظات تحديدًا، إذا كنت في الشارع قد تستحم بكوب «تمر هندي» وتفقأ عينيك بكيس «التمرات الثلاثة»، أو لو كنت في البيت يصبح الهاتف أخطر من الموقد، والتعليق أخطر من تصريح سياسي عنيف، وتتحول كلمات الاعجاب او الانتقاد لمسلسلات رمضان إلى مؤتمر دولي تستخدم فيه أفظع الكلمات التي قد تبخر ثواب صيام اليوم. والسبب؟ ليس المسلسل… بل الجوع.

قبل الإفطار، يختبر الإنسان نسخة أخرى من نفسه. نسخة أقل صبرًا، أسرع ردًا، وأكثر ميلًا لاستخدام «الطلقات» قبل «الكلمات»، يصبح الضغط على زر «إرسال» أسرع من استخدم منطق «التفكير». كأن السوشيال ميديا في هذا التوقيت تتحول إلى اختبار حقيقي لقوة الاحتمال. هل تستطيع أن تمر على منشور مستفز دون أن تعلق؟ هل يمكنك أن ترى رأيًا يخالفك دون أن تعتبره مؤامرة شخصية ضدك؟

المفارقة أن رمضان شهر تهذيب النفس، لكن قبل المغرب تحديدًا، تبدو النفس وكأنها في بروفة أخيرة قبل التهذيب. كل شيء يتضخم: المزاح يبدو سخرية، والنقد يبدو هجومًا، والاختلاف يبدو تحديًا. وكأن المعدة الخاوية ترسل إشارات مستعجلة إلى لوحة المفاتيح، ولا تمر قبلها على «المخ» المعطل بفعل فاعل.

كلما مالت الشمس نحو الغروب، ينطلق «عد تنازلي» غير معلن. البعض يفتح تطبيقات الطعام ليرى صور الأطباق، والبعض يفتح تطبيقات الأخبار ليرى آخر المستجدات، والبعض يفتح السوشيال ميديا، أملا في تسرع الوقت، وهنا تبدأ المغامرة. منشور سياسي؟ هو الخطر الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة. مقارنة اقتصادية؟ لا لا إنها الأشد خطرً على البشرية. حتى سؤال بسيط مثل: «إيه أفضل مشروب على الفطار؟» قد ينتهي بنقاش محتدم عن مؤامرة «العرقسوس» على الهوية الثقافية أو مكيدة «السوبيا» للسلم المجتمعي.

لكن وسط هذا الطابع السريالي، هناك معنى أعمق. هذه الدقائق تكشف لنا أن الإنسانية في أخطر لحظاتها. فالصائمون قبيل اللحظة المنتظرة ينهزمون سريعا، متأثرين بنسبة السكر في الدم، وبقلة الكافيين، والحلم المتجسد في تمرة وكوب ماء. وربما تذكرنا هذه اللحظات أن كثيرًا من “المعارك الإلكترونية” ليست صراعات فكرية حقيقية، بل صراعات لحظية يغذيها الإرهاق.

الغريب أن المشهد ينقلب تمامًا بعد الأذان. نفس الأشخاص الذين كانوا على وشك إعلان حرب شوارع أحيانا ورقمية في أحيان أخرى، يتحولون إلى كائنات مسالمة أمام أطباق الشوربة وحلة المحشي، وصينية البطاطس، ليؤمن الجميع أن «رمضان كريم على الجميع». وكأن رشفة الماء الأولى لا تروي العطش فقط، بل تطفئ الحرائق وتضمد الجراح، وتهدئ النفوس المشتعلة .

ربما الحل بسيط: قبل الإفطار بعشر دقائق، إذا كنت في الشارع، توقف حتى ينطلق الآذان، او إن كنت في البيت أغلق الهاتف وافتح النافذة. خذ نفسًا عميقًا، راقب السماء، أو ساعد في ترتيب المائدة. دع جائزة المليون دولار لمن يصل البيت أولا لهؤلاء المقامرون بحياتهم وحياة الآخرين، توقف عن خوض المعارك الفكرية إلى ما بعد الشوربة. فالعالم لن يتغير إذا تأخّرت عشر دقائق، لكن مزاجك قد يتغير كثيرًا إذا منحته فرصة للهدوء.

كل مؤامرات الدنيا ليست أخطر على العالم، من ذلك التوقيت الذي يسبق الإفطار بعشر دقائق