«تعب».. الحد الأقصى من الجمال

محمد عدوي

محمد عدوي

كاتب صحفي

يمتلك محمد منير أكثر من صوت، كوناً صغيراً تتجاور فيه الفصول الأربعة، فيه دفء الشمس حين تشرق، ورعشة المطر حين يشتد الحنين، وعتمة الليل حين تتكثف الأسئلة، ونقاء الفجر حين يولد الأمل. يمتلك أكثر من إحساس، إحساساً مركباً من الفرح والحزن والدهشة والتمرد، إحساساً يعرف كيف يسكن الذاكرة الجماعية، يملك شمساً تشق الغيوم، يملك ذاكرة تربينا معها في الماضي، وحاضراً نعيشه بلا حساب، ومستقبلاً ربما يُزهر على إيقاع صوته كما تُزهر الحقول.


منير ليس مطرباً فحسب، بل حالة وجودية في عالم الأغنية، طقس شعري متحرك، حضور يشبه الأسطورة حين تتجسد في هيئة إنسان، ووجوده في تترات مسلسلات رمضان ليس مجرد إضافة فنية، بل هو إضافة جرعة من الفرح في شرايين الذاكرة الجمعية، كأن صوته يقول لنا: ما زال في الفن متسع للصدق، وما زال في الجمال مكان للدهشة.. منير لا يعرف المجاملة في الفن، ولا يقامر بتاريخٍ حفر فيه اسمه بالصبر والاجتهاد، حين يبدأ عملاً بصوته يصبح هذا الصوت علامة جمالية وإشارة تقول: هنا شىء يستحق أن يُصغى إليه، هنا محاولة لرد الاعتبار للمعنى وسط زمن الاستهلاك السريع. والحقيقة أن مجرد وجوده في عمل درامي هو محفز للمشاهدة.


وسط زحام الموسم الدرامي جاء صوت منير ليزين مسلسل «حد أقصى» الذي تتصدى لإخراجه مايا زكى، ومن بطولة النجمة روجينا ومحمد القس وخالد كمال وفدوى عابد، والحق أن المسلسل على الورق بهذه التركيبة يبدو كمعادلة جمالية مغرية.. صوت أسطوري، ومخرجة جديدة، وممثلة تملك رصيداً من المحبة والاحترام.. روجينا ليست ممثلة فقط، بل سيرة من الصبر الفني، ومساحة واسعة من الجهد المتراكم، صنعت محبتنا لها عبر سنوات من العمل الصامت مع أسماء كبيرة فى الإخراج والتأليف، حتى صار حضورها أشبه بوجه مألوف فى بيوت المصريين، وجه يحمل ملامحهم وأسئلتهم وتعبهم اليومي.. هي قريبة من القلوب، إصرارها بعد أن أصبحت بطلة على أن تقدم أعمالاً مختلفة شكلاً وموضوعاً، أعمالاً لا تُستهلك سريعاً، بل تبقى في الذاكرة، منحها ثقة المشاهد، وهي ثقة لا تُمنح بسهولة في الدراما المصرية لأن هذا المشاهد يعرف جيداً كيف يشك، وكيف يختبر، وكيف يحاكم التجارب الفنية بميزان صارم، لكن روجينا -بحفاظها على الوتر مشدوداً بين الجرأة والصدق- استطاعت أن تضمن لنفسها مكاناً في قلب هذا المشاهد الصعب إرضاؤه.. روجينا تميل دائماً إلى المغامرة المحفوفة بالمخاطر، لكنها مغامرة تشبه قفز الفراشة في النار لتصنع نورها الخاص.. في هذه التجربة تراهن على عاطفة الأم مع مخرجة جديدة في عمل كبير ومهم فتكسب الرهان، ليس فقط لأنها نجحت في الدور، بل لأنها قدَّمت لنا مخرجة تملك أدوات التحدي في موسم الكبار.


مايا زكى رغم انتمائها إلى عائلة فنية خالصة لم تعتمد على ذلك، بل شقت طريقها بالدراسة والتدرج.. درست الإخراج، وبدأت من ملاحظ لسكريبت الملابس، ثم مساعد مخرج ثان، ثم مساعد مخرج، حتى جاءت فرصة «حد أقصى»، وهي فرصة لم تكن سهلة، ولم تأتِ على طبق من فضة، بل جاءت بعد تراكم التجربة والوعي بثقل المسئولية، وأظن أنها كانت تدرك ذلك جيداً، فخاضتها بحماس يشبه حماس التلميذ.. درست كل شخصية كتبها المؤلف هشام هلال، ووضعت معه تصورات دقيقة لصباح ونادر ونوسة وأنور وغيرهم، كأنها لا تصنع شخصيات درامية، بل ترسم خرائط نفسية لأرواح تمشي على الأرض، تفاصيل تتجاور لتكوِّن لوحة فسيفساء إنسانية فيها الألم وفيها الرجاء، وفيها الصراع بين ما نحن عليه وما نود أن نكونه.


حماس مايا التقى مع حماس الشركة المتحدة التي تعمل وفق رؤية تمنح الفرص لجيل جديد يقود المسيرة مستقبلاً.. جيل أمام الكاميرا وخلفها، وهو ما نراه اليوم على الشاشة، وأظن أن هذا الجيل سيغير شكل الدراما فى الغد، لأن كل جيل يحمل معه لغته الخاصة، وأسئلته الخاصة، وأحلامه التي لم تُختبر بعد، وهذا يُحسب للشركة -بلا شك- لأنها تراهن على المستقبل لا على التكرار.


مسلسل «حد أقصى»، بداية من تتر الأغنية التي كتبها أحمد شبكة ولحَّنها أحمد حمدي رؤوف وليس انتهاء بالأداء المختلف لروجينا ومحمد القس وخالد كامل وفدوى عابد، عمل يضاف إلى المكتبة الدرامية بامتياز، عمل يدخل منطقة جديدة من الحساسية الإنسانية والجماليات البصرية والوجدانية استطاع مؤلفه هشام هلال أن ينسج خيوطه كلها بجدارة، هو عمل لا يكتفي بأن يُشاهَد، بل يدعو إلى أن يُتأمَّل وأن يُفكَّر فيه وفي مضمونه.. الحقيقة أن المسلسل من بداية أغنية تعب وهو الحد الأقصى من الجمال الذي نستحقه.