انتصار النهايات.. رغم كل شيء هناك متسع للأمل

محمد عدوي

محمد عدوي

كاتب صحفي

لم تنتصر الشركة المتحدة للمنطق الحسابى الجاف ولا للمعادلات التجارية الباردة التى تختزل الفن فى نسب مشاهدة وأرقام إعلانات بل انحازت بوعى جمالى نادر إلى الحياة ذاتها وإلى الإنسان بوصفه جوهر الحكاية وغايتها القصوى.. انحازت إلى الروح فى زمن الضجيج وإلى المعنى فى زمن الاستهلاك فجاءت نهايات أعمال النصف الأول من رمضان وكأنها بيانات شعرية مكتوبة على جسد الدراما لا تغلق الحكايات بل تفتح الأسئلة ولا تطفئ الضوء بل تبقى شعلة الأمل مشتعلة فى عيون المشاهدين.
لم يكن هذا المسار وليد المصادفة بل امتداد لرؤية فكرية وجمالية اتخذت من الوعى منهجاً ومن الإنسانية خطاباً ومن الفن أداة خلاص.. ففى أغلب الأعمال التى شاهدناها لم تعد الدراما تكتفى بتشخيص الألم بل راحت تقترح مسارات نجاة.. أرقام المجلس القومى للمرأة لمن يتعرض للعنف، وهيئة الدواء لمن يشك فى علاج، ومباحث الإنترنت، وكأن الشاشة تحولت من مجرد وسيط حكائى إلى بوصلة أخلاقية ومن مرآة تعكس الأزمات إلى نافذة تطل على إمكانات الحل.. هكذا صار الفن ممارسة معرفية وصارت الحكاية درساً فى الفهم.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل نشأت حالة من الرضا العميق تجاه النهايات.. تلك اللحظة التى اعتادت الدراما أن تخذلنا فيها أو أن تسلمنا إلى الفراغ هذا العام كما أردد دائماً هو حجر الزاوية فى الدراما المصرية الحديثة عام التحول من الترفيه إلى التأمل ومن الحكاية العابرة إلى النص الذى يترك أثراً فى الذاكرة والوجدان.
وقد أدركت الشركة المتحدة منذ البداية خطورة هذا المنعطف فاختارت أن تخوض التحدى عبر أعمال تتبنى فلسفة الوعى والفهم مع الدهشة الجمالية والبناء الدرامى المختلف والمتعة البصرية والعمق الإنسانى فى توليفة نادرة تجعل الفن فعل مقاومة للنسيان.
بلغ هذا الانحياز قمته فى نهاية مسلسل «صحاب الأرض» ذلك العمل الذى لو لم تقدم الشركة غيره هذا العام لكفاها.. جاءت نهايته كجملة شعرية كبرى: لم ينتهِ القصف ولم تتوقف الحياة.. رسالة تقول إن الوجود أقوى من الفناء وإن الإنسان مهما تهشم قادر على إعادة بناء المعنى من بين الركام إنها رؤية المخرج بيتر ميمى الذى يخطو كل يوم خطوة أوسع وأكثر ثباتاً نحو مكانته المستحقة كمخرج كبير يصوغ الصورة بوصفها موقفاً أخلاقياً والمشهد بوصفه شهادة تاريخية فى نهاية العمل لم يكن الوداع ختاماً بل ولادة جديدة لفكرة أن أهل غزة باقون صحاب الأرض وأن الحياة لا تُستأصل بالقصف وهنا تستيقظ فى الذاكرة مقولة غسان كنفانى: ليس المهم أن يموت أحدنا.. المهم أن تستمروا.
كأن الدراما استعارت هذه الجملة وحوّلتها إلى صورة وإلى موسيقى وإلى صمت ناطق. كانت نهاية «صحاب الأرض» انتصاراً للإنسانية فى أنقى صورها.
ومن «صحاب الأرض» إلى «اتنين غيرنا» ذلك العمل الذى انتصر للحب لا بوصفه عاطفة عابرة بل كقيمة وجودية ومعنى أخلاقى.. تزوج «حسن» من «نور» وسط فرحة جماعية لا باعتبارها نهاية سعيدة تقليدية بل باعتبارها تتويجاً لمسار إنسانى طويل من الاختبار والصبر والانكسار ثم النهوض.. من حق «حسن» الذى وُضع فى امتحان قاسٍ أن يحب، ومن حق «نور» التى انتظرت الرجل المناسب أن تجد طمأنينتها، ومن حقنا نحن المشاهدين أن نرى نموذجاً ثرياً إنسانياً يستمر وينجح دون أن يقاس بمنطق الربح والخسارة.. لم تكن هذه نهاية رومانسية فقط بل كانت إعلاناً فلسفياً بأن الحب أحد أشكال العدالة وأن القلب حين ينتصر يكون أكثر صدقاً من أى حبكة درامية مصطنعة.
أما فى «عين سحرية» فجاء الانتصار ربانياً، وعداً بأن الخير وإن تأخر لا بد أن يعلو وأن الشر مهما تجبر مصيره معروف.. كان لا بد من معاقبة «شهاب» على ما بدر منه وكان لا بد أن يخرج «زكى وعادل» ببداية جديدة، كأن الدراما هنا تعيد كتابة مفهوم العدالة بوصفه قدراً لا يفلت منه أحد. وفى «كان يا ما كان» الحالة الإنسانية تنتصر ورغم أن الأحداث تبدو مألوفة من تفاصيل حياتنا اليومية، فإن تصرف الدكتور «مصطفى» فى نهاية العلاقة قدم النموذج الأسمى.. قد تتعثر العلاقات وقد تنكسر القلوب وقد يخوننا الحلم لكن الإنسانية يجب أن تظل القيمة العليا التى لا تسقط مهما سقطت الأشياء من حولنا.
إن نهايات الأعمال التى قدمتها الشركة المتحدة فى النصف الأول من رمضان تجعلنا نؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك تخطيطاً حقيقياً وبناء واعياً وأعمالاً لم تكتب على عَجل بل صيغت بتأنٍ ودراسة وعمق فلسفى وجمالى.
لا مكان هنا للصدفة ولا للارتجال بل نحن أمام موسم كُتب بعقل مفكر وقلب شاعر، موسم يعيد الاعتبار للدراما بوصفها فناً يحمل رسالة ويجعل من الصورة نصاً ومن النهاية موقفاً ومن المشاهدة تجربة وجودية كاملة.
لقد انتصرت «المتحدة» للحياة وحين تنتصر الدراما للإنسان فإنها لا تنتصر لواقع بعينه بل تنتصر للفن ذاته وللقدرة الأبدية للحكاية على أن تنقذنا من القسوة، وتعيد إلينا إيماننا بأن فى هذا العالم -رغم كل شىء- متسعاً للأمل ومكاناً للجمال وحقاً أصيلاً فى الاستمرار.