منير أديب يكتب: الدراما وتفكيك منظومة الإرهاب
منير أديب يكتب: الدراما وتفكيك منظومة الإرهاب
تفوقت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية على نفسها عندما قررت إنتاج «رجال الظل.. عملية رأس الأفعى»؛ فنجحت عبر هذه الدراما في تفكيك الأفكار المؤسسة لتنظيم قارب عمره المائة عام، وهنا فاق تأثير هذا العمل مئات الأبحاث والدراسات المتخصصة وآلاف الخطب السياسية والتوعوية وعشرات الآلاف من المقالات التي تتعرض لهذا التنظيم المتطرف.
الحلقة الواحدة من «رأس الأفعى» فككت جليدًا من الأفكار المتطرفة والمتكلسة، تلك التي خلفتها جماعة الإخوان المسلمين عبر عقود طويلة من النشأة، فالمشهد الواحد في هذه الدراما نجح في بناء وعي افتقدة المجتمع ربما لسنوات طويلة.
وهنا تبدو عبقرية المسلسل، صحيح بنيت حلقاته على فكرة واحدة بشكل مسلسل، ولكنك تستطيع أنّ تُشاهد حلقة واحدة منفصلة وتصلك الصورة كاملة، وهنا نجح المخرج وكاتب العمل مع بقية الفريق في تركيز المشاهد والأحداث بالشكل الذي أثر العمل بصورة كبيرة.
أهمية «رأس الأفعى» ليس في رصد تاريخ التنظيم من الداخل وإنّ نجح المسلسل في الكشف عن تفاصيل مهمة قام بها ضباط الأمني الوطني في تفكيك تنظيم الإخوان سواء في الوقت الحالي أو سابقًا، ولكن الدراما نجحت أيضًا في تفكيك الأفكار المؤسسة للتنظيم، ووضعت يدها على صورة الأفكار الحقيقية للتنظيم الأكثر تعقيدًا.
وهنا شارك قطاع الأمن الوطني كما جاء في دراما «رأس الأفعى» في تفكيك الأفكار المؤسسة ولم يقتصر دوره فقط على تفكيك التنظيم، وإنّ كان قد نجح في تحقيق هذه المهمة الكبيرة، ولكنه أضاف إليها مهمة أخرى لا تقل أهمية عن تفكيك التنظيم وهي تفكيك الأفكار الفاسدة، هذه المواجهة التي تهتم بها المؤسسات الثقافية والدينية والتعليمية، فضلًا عن دور المجتمع المدني في هذه المهمة.
عندما تُشاهد «رأس الأفعى» تستطيع أنّ تتعرف على التنظيم عن قرب، تراه دون رتوش، تراه كما تحب أنّ ترى الحقيقة لا كما يحب أنّ يسوق التنظيم لنفسه، تلك الصورة المثالية التي وقع البعض أسيرًا لها عبر عقود طويلة، وهنا أصيب المجتمع برمد كثيف، وما كان له أنّ يتعافى إلا من خلال دور أساسي يتعلق بتفكيك الأفكار المؤسسة لتنظيم الإخوان، وهو ما نجحت درما «رأس الأفعى» في تحقيقة.
المسلسل سلط الضوء على دور أجهزة الأمن والمعلومات أو من يحبوا أنّ يُطلقوا على أنفسهم رجال الظل، أولئك الذين يعملون للوطن وللوطن وحدة، يُفضلون أنّ يكونوا في الظل حتى يبقى الوطن في العلن مرفوع الرأس، هذا الدور الذي يبدو خفيًا بتفاصيلة عن كثير من المصريين، فقطاع الأمن الوطني كان بمثابة رأس الحربة في مواجهة التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمة هذه التنظيمات حركة االإخوان المسلمين.
إدراكًا بأنّ قطاع الأمن الوطني هو حائط الصد الأهم في مواجهة الإخوان المسلمين والتنظيمات الأكثر تطرفًا؛ فمهمة القطاع المواجهة بأعبادها الشاملة، وهذا ما بدا واضحًا في دراما «رأس الأفعى» وهو ما تنطلي عليه الحقيقة التي يتحرك من خلالها على أرض الواقع.
في الحقيقة الشركة المتحدة لم تقدم «رأس الأفعى» كدراما ولكنها نجحت في قطع رأس هذه الأفعى، بما قدمتة من عرض مشوق ورصد حقيقي للوقائع، ولذلك التحية واجبة لكل فريق العمل، كاتب السيناريو والمخرج وفريق العمل، وكل من قدم شيئًا حتى يخرج هذا العمل بهذه الصورة، فهناك من دفعوا في اتجاة هذا البناء الدرامي الشيق والمفيد والوطني.
دراما «رأس الأفعى» كانت بمثابة قراءة واعيّة لتاريخ التنظيم عبر عقودة الممتدة، ولو بشكل مختصر، صحيح سلط الضوء على فترة التنظيم ما بعد 2013، ولكنه طاف أيضًا على أفكار التنظيم التي شكلت وعيّة وإدراكة عبر عقودة العشر، وهذا يبدو من إلهام الشركة المنتجة، التي لم تقف عند مرحلة زمنية من تاريح التنظيم، ولكنها أرادت أنّ تُشارك في تفكيك الأفكار المؤسسة للتنظيم وبناء جدار مهم من الوعي بخطورتة.
وضعت الشركة المتحدة عبئًا عليها في السنوات القادمة، بضرورة الاستمرار في سلسلة الإنتاج الخاصة بالأعمال الوطنية والتاريخية التي تتناول دور أجهزة الأمن وخطر التنظيمات المتطرفة، من حيث إبراز جرائمها وخطرها على المجتمع، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وهذا ما يستحق أنّ تُفرد دراما خاصة من أجزاء تتعرض فيه لتاريخ التنظيم منذ نشأته وحتى سقوطه، وأنّ تفرد بابًا مهمًا للأفكار التي يؤمن بها التنظيم والمراحل الدموية التي ميزت تاريخة.
لابد أنّ يكون الإنتاج مستمرًا ومسلسلًا حتى يُصبح الإخوان مجرد جزء من التاريخ لا من الواقع، مجرد سطر في كتب التاريخ، يُحكى عنهم كما يُحكى عن الفرق الضالة، التي لم تعد موجودة كحقيقة، أشبه بالخوارج، وهذا لم يكن صعبًا كما لم يكن مستحيلًا، فنحن في مرحلة تفكيك الأفكار، وهنا يتعاظم دور الدراما بصورة كبيرة في تفكيك الأفكار المؤسسة للتنظيم الأكثر خطرًا على أمن مصر.
أهميّة هذا العمل بأنه ساعد بصورة كبيرة في تفكيك المنظومة الفكرية للإخوان المسلمين، التنظيم الأخطر صاحب الإمتدادات الخارجية، وهو ما سوف يُؤثر على بقية التنظيمات المتطرفة، التي خرجت من عباءته أو اعتمدت على أفكارة في صياغاته الفكرية، فأي مواجهة للإخوان هي مواجهة لبقية التنظيمات المتطرفة، فالكثير يعتمد على أفكارها وعلى بنيتها التنظيمية.
هذا العمل الدرامي الكبير قد يرتبط بشهر رمضان القادم، ولكنه سوف يظل عملًا وطنيًا مهمًا، بحيث تتم إذاعة حلقاته على مدار العام بأكمله، من أجل تأثير حقيقي في بنية المجتمع، مثلة مثل مسلسل «رأفت الهجان»، فمهما شاهدناه إلا أننا نشعر دائمًا أننا في حاجة إلى إعادة مشاهدة حلقاته.
»رأس الأفعى» أعاد الضوء إلى دور الدراما الحقيقية في تفكيك الأفكار المؤسسة، ودورها في تهذيب المشاعر التي تستغلها جماعات العنف والتطرف وتقوم بتجنيد النّاس من خلالها، فهذا المسلسل نموذج حقيقي للدراما الجادة الواعية، لا تقل أهميتها عن دور الثقافة بمفهومها الشامل، المسؤولة عن تقديم وعي ثقافي يسمح بتفكيك الأفكار المريضة والفاسدة التي أنتجها الإخوان خلال قرن من الزمان.