الاختيار الذكي لشريف منير
لم يكن اختيار المخرج محمد بكير لشريف منير لتجسيد شخصية «رأس الأفعى» محمود عزت قرارا فنيا عابرا بل كان موقفا وجوديا قبل أن يكون اختيارا دراميا لم يختره لأنه ممثل قادر على ارتداء الوجوه كما ترتدى الأقنعة ولا لأنه الأقرب شبها لمن اعتلى يوما عرش الظل في جماعة الخراب بل لأنه مقاتل من طينة مختلفة مقاتل في ميدان الوعي ومحارب في معركة الضمير وجندي في خندق الوطن شريف منير لا يؤدي الدور بل يواجهه يدخل إلى كهف العتمة حاملا مصباح الحقيقة غير عابئ بالخفافيش التي ستنقض عليه حين يشتعل الضوء ولا بالريح التي تعصف بكل من يجرؤ على كشف المستور.
كان محمد بكير وهاني سرحان يعلمان منذ اللحظة الأولى أن من يخطو خطوة نحو الحقيقة سيتلقى ألف حجر من كتائب الظلام تلك التي باعت نفسها مرتين مرة حين دنست الأرض في سنوات القحط الوطني ومرة حين باعت أصواتها في أسواق الواقع الافتراضي مختبئة خلف شاشات باردة وأسماء مستعارة.
كانا يدركان أن الاقتراب من جوهر الجريمة ليس فعلا فنيا فقط بل مغامرة أخلاقية وأن كشف المستور سيوقظ غضب الذين لا يحتملون أن تعرى وجوههم في مرآة الدراما وأن تفضح أقنعتهم أمام جمهور كبير.
عرفت أسرة العمل أن الحقيقة تشبه الشمس حين تشرق تحرق العيون التي ألفت الظلام وأن الغضب سيأتي من جهتين من عجزة الفكر المختبئين خلف حسابات وهمية ومن ذيول الجماعة المتوارية في جحور متعددة تخشى الضوء كما تخشى الكائنات الليلية الفجر.
كانوا يعلمون أن الحقيقة لا تمر كنسمة عابرة بل كزلزال في الوجدان الجمعي وأنها ستترك ندوبا في الذاكرة الوطنية تذكر دائما بما اقترفته أياد سوداء في حق أبرياء عزل في زمن كانت فيه مصر تنزف بصمت لولا رجال الظل الذين أعادوا ترتيب البيت الداخلي حجرا فوق حجر وأعادوا للروح الوطنية نبضها الخافت بعد طول اختناق.
ومن هنا يصبح اختيار شريف منير أحد أذكى قرارات الدراما هذا العام لأنه فنان لا يقيس خطواته بميزان الصراخ ولا يزن قناعاته بعدد الهجمات الإلكترونية بل يقف في قلب العاصفة مطمئنا إلى بوصلته الداخلية مؤمنا بأن الطريق إلى الوطن يمر دائما عبر الحقيقة.
أداء شريف المتزن الخالي من التهويل والضجيج يشبه مشرط جراح يشق طبقات العقل المدبر للتدمير كاشفا تشوهات النفس التي خططت للهدم باسم الدين وباعت الخراب على أنه خلاص وسوقت الموت بوصفه حياة.
وهنا يستحق محمد بكير وهاني سرحان وقفة تقدير عميقة فهما لم يكتفيا بسرد الحكاية بل ضغطا بإصرار على الجرح الذي تحاول الجماعة نسيانه الجرح الذي لا يلتئم مهما ألبسوه ضمادات مزيفة من خطاب ديني مشوه ومواعظ مغشوشة إنهم أولئك الذين يجادلونك في نتيجة مباراة شاهدها الملايين ويحاولون إقناعك أن الهزيمة كانت نصرا وأن الليل كان نهارا فقط لأنهم لا يحتملون الاعتراف بالحقيقة حين تقف أمامهم عارية من الأقنعة.
ولهذا تعالت أصواتهم ولهذا كان لا بد من «رأس الأفعى» عمل يقف كجدار شاهق في وجه تزوير الوعي وكمرآة كبرى أمام سوشيال ميديا تحاول إعادة كتابة التاريخ بحكايات كاذبة وألوان مزيفة.
هذا العمل ليس مسلسلا فحسب بل وثيقة زمنية بالصوت والصورة وشهادة إدانة تسلم إلى الأجيال القادمة كي لا يعاد إنتاج الكذبة في ثوب جديد ولا يعاد تدوير الخراب في لغة أخرى.
نعم نحن الذين عشنا تلك السنوات نشاهد ونتألم لأن الذاكرة حين تستدعى تعود ومعها وجعها القديم لكن هناك أجيالا لم ترى ولم تسمع ولم تعايش ومن حقها أن تعرف ماذا كان يدبر لهذا الوطن في الغرف المظلمة وكيف كان الخراب يخطّط له باسم الله وباسم الفضيلة وباسم الخلاص.
إنه عمل وطني خالص لم يكن ليخرج إلى النور إلا عبر مؤسسة تؤمن بأن الفن مسؤولية وأن الدراما ليست تسلية مسائية بل سجل أخلاقي للأمة.
كانوا يعلمون وهم يلقون حجرا في مياه الجماعة الراكدة أن الدوائر ستتسع وأن الصراخ سيعلو لكنهم فعلوا ذلك لأن الصمت خيانة ولأن السكوت مشاركة غير معلنة في الجريمة وهو واحد من أدوار وقناعات الشركة المتحدة التى تصدت لانتاج المسلسل ببسالة .. كنا في حاجة إلى هذا العمل على كل المستويات.
فنيا نحن أمام ملحمة تجسد بطولات رجال الظل في زمن الاختبار القاسي.
نحن أمام إعلان شجاع من الفنانين أننا لا نخاف ولا نرتجف أمام حملات التشويه ولا نساوم على ذاكرة الوطن وهذا هو جوهر الفنان الحقيقي أن يكون شاهد عصره لا مهرج المرحلة أن يحرس الحقيقة لا أن يزين الكذبة.. أن يقف في صف الوطن حتى لو وقف وحيدا أمام العاصفة.
تحية لـ أمير كرارة الذي يواجه بثبات كل محاولات التقليل والتشويه ويخوض المعركة بصدر مفتوح على حب الوطن وتحية لـ أحمد غزي الذي يعرف قيمة الدور قبل قيمة الظهوروتحية لـ كارولين عزمى التي تتشبع بالشخصية وتدرك قيمة العمل وتحية لـ هبة عبد الغني التي طالتها سهام الغباء الإخواني ولم تنكسروتحية لكل من شارك في هذه الملحمة التي ما زلت أؤمن أننا في أمس الحاجة إلى أمثالها اليوم وغدا للحاضر وللمستقبل معا لأن الأوطان لا تحمى بالسلاح وحده بل بالذاكرة ولا تنقذ بالهتاف فقط بل بالحقيقة.
ولا تعيش إلا حين تروي قصتها كاملة… بلا خوف وبلا تزييف
وبلا نسيان
ورغم القيمة الوطنية العميقة التي يحملها المسلسل فإن صناعه لم ينسوا لحظة أنهم يقدمون قبل كل شيء ملحمة فنية مكتملة الأركان لا خطابا مباشرا ولا بيانا سياسيا جامدا لقد صاغوا الحكاية في قالب بصري ممتع يشد المتلقي كما تشد الأسطورة سامعها ويدفعه لأن يترقب كل يوم ما يجري خلف الستار في كواليس لم يكن يعرفها كثيرون ولا تخيلوا حجم ما دار فيها من صراع خفي وأسرار مسكوت عنها.
وهنا يتجلى الدور الأسمى للفن أن يكون جسرا بين الحقيقة والدهشة بين الوثيقة والوجدان بين الوعي والمتعة وقد نجح صُنّاع العمل جميعًا من أصغر عامل في موقع التصوير إلى المخرج محمد بكير في الإمساك بوتر الجذب المشدود دون إفراط يفضي إلى ترهل ودون إطالة تفقد الحكاية نبضها.
ظل الإيقاع حيّا كنبض قلب يقاوم التعب متوازنا بين عمق الفكرة وجمال الصورة ليؤكد أن الفن حين يكون صادقا يستطيع أن يحمل أثقال الوطن دون أن يفقد خفته وأن يروي أكثر القصص وجعا بلغة تبقي الروح يقظة والعين مفتوحة والقلب مشدودا حتى آخر مشهد.