المعادلة الناجحة.. حينما تتجاور الشوارع الهادئة مع الميادين الصاخبة
ذات يوم دار بينى وبين ممدوح الليثي نقاش لا يزال صداه يتردد في ذاكرتي حتى الآن. كان الليثي، وهو منتج كبير وسيناريست بارع، يتحدث بثقة لا تخلو من اعتزاز عن موقف قديم له، إذ عُرض عليه إنتاج فيلم اللمبي لكنه اعتذر عن إنتاجه، وكان يرى في ذلك القرار دليلاً على حُسن تقديره الفني.
كان يتوقع ربما أن أبادله الإعجاب بهذا الموقف أو أن أثنى على بصيرته الإنتاجية، لكنه فوجئ حين قلت له بهدوء صريح إننى أعتقد أنه أخطأ في تقدير الأمر.. قلت له يومها إن الشركات الكبرى لا ينبغى لها أن تسير في طريقٍ واحد ضيق، ولا أن تراهن على لون واحد من الإبداع، فالسوق الواسع والحياة الفنية الثرية لا يداران بعقلية الانتقاء الصارم وحده، بل بعقلية التنوع.. إن المؤسسة الإنتاجية الكبرى، في تقديرى، تشبه مدينة نابضة بالحياة تتجاور فيها الشوارع الهادئة مع الميادين الصاخبة وتتعايش فيها الفنون الرفيعة مع الأعمال الجماهيرية لأن لكل منها جمهوره ولكل منها ضرورته.
ومن هذا المنطلق أرى أن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية استطاعت في الموسم الدرامى الحالى أن تفعل ما لم يفعله الليثى زمان، إذ قدمت نموذجاً واضحاً للتنوع الإنتاجى الذي طالما آمنت بأنه جوهر التفكير الاستراتيجى في صناعة الفن.. هذا النهج ليس بدعاً من القول أو خيالاً نظرياً، بل هو ما تفعله كبرى المؤسسات السينمائية في العالم، فشركة Universal Pictures، على سبيل المثال، قدمت فيلم Oppenheimer ذلك العمل السينمائى العميق الذي حصد جائزة الأوسكار عام 2024 ونال عدداً كبيراً من الجوائز المهمة، وهى في الوقت نفسه الشركة التي أنتجت الفيلم التجارى الضخم Fast X في العام ذاته.. هكذا تفكر الشركات الكبرى بعقل يتسع للفيلم العميق كما يتسع للفيلم الجماهيرى وباستراتيجية ترى في التنوع قوة لا تناقضاً.
وإذا عدنا إلى المشهد الدرامى المحلى سنجد أن هذا المنطق قد تجسَّد بوضوح هذا العام، فالشركة التي أنتجت عملاً ذا قيمة وأهمية مثل «صحاب الأرض» وقدمت عملاً مختلفاً وبديعاً مثل «اتنين غيرنا» وطرحت عملاً شديد الخصوصية والجمال مثل «عين سحرية» إلى جانب أعمال أخرى مهمة نقدياً وجماهيرياً مثل «توابع» و«كان ياما كان» و«حد أقصى» و«رأس الأفعى» كان من الطبيعى أيضاً أن تقدم أعمالاً مثل «درش» و«على كلاى» وألا تترك هذا الملعب لغيرها.
فهذه ليست مجازفة عشوائية، بل هى جوهر استراتيجيات الشركات الكبرى وأبجديات الإنتاج الاقتصادى التي يتعلمها كل من يعمل في السوق، إنها الفكرة التي يلخصها البعض بعبارة شعبية مباشرة لكنها عميقة الدلالة «كل نفسك قبل أن يأكلك غيرك»، أى لا تترك مساحة السوق خالية لغيرك بينما تملك القدرة على ملئها.. نعم ربما لا يجد البعض في «درش» أو «على كلاى» القيمة الفنية نفسها التي يجدها في «صحاب الأرض» أو غيره من الأعمال المختلفة في طبيعتها وأهدافها، لكن من الخطأ أن نغفل حقيقة أن لنجوم مثل مصطفى شعبان وأحمد العوضى جمهوراً واسعاً في الشارع.. جمهوراً حقيقياً تعكسه بوضوح نسب المشاهدة التي لا يمكن إنكارها.. فالنجاح التجارى ليس نقيضاً للنجاح الفنى، بل هو أحد أركانه في صناعة الدراما والسينما، والعمل الذي يحقق جماهيرية واسعة يملك بدوره قيمة في معادلة السوق الثقافى تماماً كما يملك العمل العميق قيمته في ميزان الفن.
والشركة التي تدرك هذه الحقيقة وتبنى استراتيجيتها على هذا الفهم هى شركة تعى جيداً طبيعة السوق وحركة الجمهور وتوازنات الصناعة، ولذلك فإن من الأفضل -بل من الأجدر- أن تقدم المؤسسة الإنتاجية كل ألوان الدراما وأشكالها لأن الفن في نهاية الأمر ليس صوتاً واحداً بل أوركسترا كاملة تتجاور فيها النغمات الهادئة والصاخبة، العالية والخافتة، ليكتمل منها لحن الحياة.