أعلام التصوف من النساء (18) عجردة العمية ستون عاماً من الصيام والقيام


قال سرحان متهللاً:

- قرأت اليوم عن رجل كان يقيم الليل كله، وكان له دعاء يلين له الحجر.

ابتسم عرفان، وسأل:

- هم كُثر، فأيهم تقصد؟

أجاب سرحان، دون أن تفارقه مسرة سرت فى أوصاله لأنه الآن هو من يُسأل:

- اسمه خليفة العبدى، وكان ينتظر حتى يجن الليل، وتغمض العيون، فينهض إلى صلاة طويلة، وهو يقول: «اللهم إليك قمت أبتغى ما عندك من الخيرات»، ثم ينصرف إلى محرابه ليصلى حتى مطلع الفجر، فإن بلغ السحر راح يدعو الله قائلاً: «هب لى إنابة إخبات، وإخبات منيب، وزينى فى خلقك بطاعتك، وحسنى لديك بحسن خدمتك، وأكرمنى إذا وفد إليك المتقون، فأنت خير مسئول، وخير معبود، وخير مشكور، وخير محمود.. قام البطالون وقمت معهم، قمنا إليك ونحن متعرضون لجودك، فكم من ذى جرم قد صفحت له عن جرمه، وكم من ذى كرب عظيم قد فرجت له عن كربه، وكم من ذى ضر كبير قد كشفت له عن ضره، فبعزتك ما دعانا إلى مسألتك بعد ما انطوينا عليه من معصيتك إلا الذى عرفتنا من جودك وكرمك فأنت المؤمل لكل خير، والمرجو عند كل نائبة».

- يا له من دعاء جامع، يكاد ألا يغادر شيئاً.

ساد بينهما صمت، قطعه سرحان سائلاً:

- لا أظن أن امرأة قد ركعت وسجدت طوال الليل مثله.

ابتسم عرفان، وقال:

- هناك من تشبهه من وليات الله الصالحات.

- من؟

- امرأة من أهل البصرة، عدَّها أهل زمانها، ومن أتوا بعدهم، من أرباب المجاهدات، تسمى عجردة العمية.

- هل كانت تفعل ما يفعله خليفة العبدى؟

- نعم، كانت تقوم من أول الليل حتى السحر وتنادى ربها بصوت خاشع محزون: «إليك قطع العابدون دجى الليالى بتكبير الدلج». ثم لا تزال تبكى، وتدعو فى سجودها حتى يطلع الفجر.

صمت عرفان برهة، وواصل:

- ما تزيد به على العبدى هذا أنها داومت على هذه الصلاة الطويلة ثلاثين سنة. كان هذا ديدنها لا تخرج عنه، ولا تمل أو تكل منه.

- ثلاثون سنة؟! سأل سرحان مندهشاً.

ابتسم عرفان، وقال:

- سيزيد اندهاشك يا صاحبى حين تعرف أنها صامت لله ستين سنة.

- ومن ذكر حالها هذه؟

- ذكرها رجل يدعى سيّار، ناقلاً إياها عن جعفر بن سليمان، الذى قال: سمعت نساءنا، أمى وغيرها، يقلن إن عجردة العمية لم تفطر ستين سنة، ولم تنم بالليل إلا هدوه، وكانت إذا صحت قالت: «أوه قطع بنا النهار عن مناجاة سيدنا، وردّنا إلى ما نستحقه من كلام المخلوقين سماعاً وقولاً».

- وما الذى يجعلنى أصدق هذا، إن كان ما رواه هو سيّار وحده؟

هز عرفان رأسه، وقال:

- لديك حق فى سؤالك، لكن ما يدل على صحة قوله أن هناك آخرين تحدثوا بما تحدث به سيّار، ولم يكذبوه.

- مثل من؟

- قرأت أن امرأة تُدعى آمنة بنت يعلى بن سهيل، قد قالت: «كانت عجردة العمية تغشانا، فتظل عندنا اليوم واليومين، فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها، وتقنعت، ثم قامت إلى المحراب فلا تزال تصلى إلى السحر، ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر».

قال سرحان:

- هذا تأكيد لرواية سيّار دون شك.

هز عرفان رأسه، وقال:

- هناك شهادة ثالثة هى لرجل اسمه رجاء بن مسلم العبدى، حيث قال: كنا عند عجردة العمية فى الدار، فكانت تحيى الليل صلاة، حتى السحر، ثم تنادى بصوت محزون: «إليك قطع العابدون دجى الليالى بتبكير الدلج إلى ظلم الأسحار، يستبقون إلى رحمتك، وفضل مغفرتك، فبك إلهى لا بغيرك أسألك أن تجعلنى فى أول زمرة السابقين إليك، وأن ترفعنى إليك فى درجة المقربين، وأن تلحقنى بعبادك الصالحين، فأنت أكرم الكرماء، وأرحم الرحماء، وأعظم العظماء، يا كريم».

قال سرحان:

- يُذكرنى دعاؤها هذا بما كان يدعو به النبى صلى الله عليه وسلم، حيث كان يكرر فى المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر لى، وتب علىّ، إنك أنت التواب الرحيم». وقوله أيضاً: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك علىّ، وأبوء بذنبى فاغفر لى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».

رد عرفان على الفور:

- لم تكن عبادة عجردة بخارجة عن طريق السلف، ولهذا يرد ذكرها فى كتب السلفيين، ويرونها من العابدات المعدودات المشهورات من نساء السلف الصالح.

ثم صمت برهة، وواصل:

- كانت عجردة حين تنتهى من دعائها تخر ساجدة وهى تبكى، وتدعو فى سجودها حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وكان بكاؤها يشتد فيسمع من حولها شهيقها، فيتعجبون منها، بينما هى لاهية عن كل من وما حولها بما هى فيه من غرق فى العبادة.

ضحك سرحان، وقال:

- بعد كل ما أتيته من شهادات، ليس بوسعى سوى تصديق ما وصفت به عجردة، وكيف أنها لا تقل فى حالها هذه عن العبدى.

هز عرفان رأسه، وقال:

- لا تتعجل، فهناك شهادة رابعة.

وأنصت سرحان ليسمع، فقال عرفان:

- ما ذكرته عنها آمنة بنت يعلى بن سهيل يؤكده ما ذكرته هذه السيدة عن أن بعض من معها من أهل الدار، كانوا يشفقون على عجردة، ويقولون لها: لو نمت من الليل شيئاً، فكانت تبكى وتقول فى خشوع: ذكر الموت لا يدعنى أنام.

تاه عرفان وقال:

- من كثرة صيامها وقيامها نحل جسدها، حتى صارت جلداً على عظم.

- جاعت ونحلت فصفت روحها.

هز عرفان رأسه، وقال:

- كانت ترتدى من الثياب أخشنها، وهو ما يشهد به رجل اسمه جعفر بن سليمان ناقلاً عن أهله من النساء، حيث قلن إنهن قد رأين عجردة العمية فى يوم عيد عليها جبة صوف، وقناع صوف، وكساء صوف، فحتى فى يوم العيد لم ترتدِ سوى الخشن من الثياب.

صمت سرحان برهة، ثم سأل:

- وما سر لقبها؟

أجاب عرفان:

- يقال إنها كانت كفيفة البصر.

- هل ورد هذا فى أى من المصادر الموثوق بها؟

- نعم، أورد هذا عبدالحق الإشبيلى فى كتاب «التهجد»، حيث قال عنها: «كانت عجردة من العابدات، وكانت تحيى الليل كله، وكانت عمياء».

صمت عرفان برهة، ثم واصل:

- هناك من لقّبها بالعابدة وليس العمياء، مثل ابن الجوزى فى «صفوة الصفوة»، حين قال عنها: «فقد تذكر بلقب العابدة بدل العمياء أو العمية»، كما جاءت لها ترجمة فى طبقات الصوفية.

هز سرحان رأسه، وسأل:

- هل كفّ بصرها من كثرة البكاء مثل غيرها؟

ضحك عرفان، وقال:

- هذا سؤال صعب جداً يا صاحبى، إذ لم أجد فى أى من الكتب ما يبين ما إذا كانت قد عميت من طول البكاء، أم أنها قد ولدت كفيفة أصلاً.

وصمت عرفان برهة، ثم واصل:

- من أتوا على ذكر العابدات الزاهدات شغلتهم أحوال النفوس، وفيوضات الأرواح، عن وصف الأبدان، وبعضهم لم تعنهم التواريخ.

ابتسم سرحان، وقال:

- تفنى الأبدان، يأكلها الدود وتعود تراباً، وتنسى التواريخ بعضها بعضاً، وتبقى الأحوال والمقامات، فهى وحدها من تلهمنا، وهى التى تتكرر على مر الأزمان.