أعلام التصوف من النساء (19).. عفيرة العابدة الزاهدة التي وهبت جوارحها لله

تاه سرحان قليلاً، ثم عاد، وسأل صاحبه عرفان:

ـ دلنى على رجل من المتصوفة أثر فى واحدة من الزاهدات.

ضحك عرفان، وقال:

ـ يا رجل، لقد ورد هذا مرات فى حديثى لك عن العابدات الزاهدت، فمنهن اللاتى تعلمن على يد رجال، ومنهن مَن تأثرن بأحوالهم.

ـ أقصد الأخيرة، وهى التأثر بحال.

صمت عرفان برهة، ثم قال:

ـ يمكننى أن أسوق لك هنا ما تأثرت به عفيرة بنت عبيد، التى اشتهرت بعفيرة العابدة، التى كانت تعيش بالبصرة فى القرن الثانى الهجرى، برجل صوفى اسمه عطاء السليمى البصرى، كان من صغار التابعين.

ـ وما وجه تأثرها به؟ سأل سرحان.

أجابه عرفان:

ـ كانت عفيرة كلما أتت على ذكره قالت إنه: «لم يرفع رأسه للسماء، ولم يضحك أربعين سنة، فلمّا رفع رأسه يوماً أصابه الفزع وسقط، فانفتق بطنه».

ـ أهناك من أورد هذا؟

ـ نعم، ورد فى «حلية الأولياء» لأبى نعيم الأصبهانى.

ـ ألهذه الدرجة كان يستحى من النظر إلى السماء، حيث يعتقد أن فى هذا نظراً إلى الله؟

ـ الله موجود فى كل مكان، لكن أكثرنا يؤمن بأنه فى الأعلى، ومن رحلة الإسراء والمعراج، يعتقد المسلمون أن الله تعالى عند سدرة المنتهى، أى فى السموات العلا.

ـ يبدو أن عطاء هذا من أزهد الناس.

ـ نعم، وهناك واقعة تدل على ذلك تناقلتها الألسنة عن صالح المرى، الذى قال: «قُلت لعطَاءٍ السَّلِيمِىّ: «إنك قد ضعفت فلو صنعنا لك سويقاً وتكفلناه، قال: فصنعت له سويقاً فشرب منه شيئاً، ثم مكث أياماً لا يشرب، فقلت له: صنعنا لك سويقاً وتكفلناه، فقال: يا أبا بشر، إنى تذكرت النار، فلم أسغه».

صمت عرفان برهة، ثم واصل:

ـ هكذا كانت عفيرة العابدة مثله، لكنها تأثرت أيضاً بمعاذة العدوية، ونقلت عنها الكثير، منها قولها: «بلغنى أن معاذة العدوية، لما احتضرت، بكت، ثم ضحكت، فقيل لها: بكيت ثم ضحكت، فممَّ البكاء وممَّ الضحك، رحمك الله! قالت: أما البكاء فإنى، والله، ذكرت مفارقة الصيام والصلاة والذكر، فكان البكاء لذلك. وأما الذى رأيتم من تبسمى وضحكى، فإنى نظرت إلى زوجى أبى الصهباء، وكان قد سبقها إلى الدار الآخرة، وقد أقبل فى صحن الدار، وعليه حلتان خضراوان، وهو فى نفرٍ، والله ما رأيت لهم فى الدنيا شبهاً، فضحكت إليه، ولا أرانى أدرك بعد ذلك فرضاً».

ابتسم سرحان، وقال:

ـ سمعت هذا منك من قبل.

هز عرفان رأسه، وقال:

ـ نعم، لكن ما لم تسمعه عن عفيرة هو ما أورده نوح ابن سلمة الورَّاق عنها، إذ قال لعفيرة: «بلغنى أنكِ لا تنامين بالليل؛ فبكت، ثم قالت: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه، وكيف ينام أو كيف يقدر على النوم، مَن لا ينام عنه حافظاً ليلاً ولا نهاراً؟ قال: فأبكتنى والله، وقلت فى نفسى: أرانى فى شىء وأراك فى شىء».

ـ رجل ولم يقدر على أن يكون فى مثل حالها.

ـ نعم، فكيف له أن يطاولها، وهى التى من كثرة بكائها وهى تتعبد وتتهجد كف بصرها.

ـ يا الله، ألهذه الدرجة كانت هذه المرأة الصالحة؟

ـ نعم، وهى حكاية رواها يحيى بن بسطام، حين قال: «دخلت مع نفر من أصحابنا على عفيرة، وكانت قد تعبدت وبكت حتى عميت، فقال بعض أصحابنا لرجل إلى جنبه: ما أشد العمى على مَن كان بصيراً، فسمعت عفيرة ما قاله الرجل فتوجهت إليه قائلة: يا عبدالله عمى القلب، والله، عند الله أشد من عمى العين عن الدنيا، والله وددت أن الله وهب لى كنه محبته، وأنه لم تبق منى جارحة إلا أخذها».

حفر عرفان فى ذاكرته ليلتقط شيئاً فى هذا، ثم نطق:

ـ قال لها أحد الشباب ذات يوم، وكان يقصدها للدعاء: «أما تسأمين من طول البكاء والسهر؟ فقالت: يا بنى كيف يسأم ذو داء من شىء يرجو أن له فيه من دائه شفاء».

ـ أكان الناس يقصدونها للدعاء لهم؟

ـ نعم، قيل إن كثيرين فى زمانها كانوا يعتقدون فى صلاحها وورعها، وأنها مستجابة الدعوة، لا سيما إن دعت فى الليل وهى ساهرة ساهدة، مستمتعة بصفاء روحها.

ـ ولمَ كان سهرها وسهدها الطويل؟ هل من فرط العبادة أم لشىء آخر؟

ـ يقال إنها كانت لا تنام الليل خوفاً من أن يداهمها الموت على حين غرة. وقيل إنها كانت لا تضع جنبها على الأرض ليلاً، وتقول: «أخاف أن أؤخذ على غرة، وأنا نائمة».

هز سرحان رأسه، وكانت صورة العبادة بكل الجوارح لم تغادر مخيلته، ثم قال:

ـ كانت تريد أن تهب كل جوارها لله تعالى.

ـ طالما تمنت هذا، وتحدثت به، وهو ما يذكره مالك بن ضيغم، حيث قال: سمعت عفيرة تقول «عصيتك بكل جارحة منى على حدتها، والله لئن أعنت لأطيعنك ما استطعت بكل جارحة عصيتك بها».

ـ «ألهذا كان بكاؤها؟». سأل سرحان.

أجاب عرفان:

ـ أعتقد فى هذا، فكم هى المسافة بين ما تمنت، وظلت تعمل لأجله، وبين ما ارتقت إليه، وكانت تسعى نحوه ليس بقلبها فقط، إنما بكل جوارحها أيضاً. كانت تريد أن تكون ولية لله، كما تقتضى الولاية.

ـ وكيف كانت ترى الولاية؟

ـ سألها نفر دخلوا عليها ذات يوم عن الولاية، فأجابتهم: «ساعات الولى ساعات شغل عن الدنيا، ليس لولى فى الدنيا ساعة يتفرغ فيها لشىء دون الله، ومن حدثكم أن ولياً لله له شغل بغير الله تعالى فإنه كاذب».

ـ هذا هو الفرق بين الأولياء والأدعياء.

ـ أدركت هذا عفيرة حقاً، فى زهدها وورعها، وطول حزنها وبكائها، الذى اشتهرت به، حتى عدها أهل التصوف والمؤرخون من أبرز عابدات البصرة، وذكرها ابن الجوزى فى «صفة الصفوة» كنموذج للمحبة والزهد.

صمت سرحان طويلاً، ثم قطع شروده سائلاً:

ـ هل ظلت على حالها هذه حتى فارقت الدنيا؟

أجاب عرفان:

ـ يقال إن الموت قد جاءها وهى ساهرة تتعبد، والدموع تهطل من عينيها، فيهتز جسدها اضطراباً.

ـ ومتى كان هذا؟

صمت عرفان برهة، ثم أجاب:

ـ لم أعثر فى أى من المصادر التاريخية على شىء عن يوم ميلادها أو وفاتها على وجه الدقة، وهى فى هذا مثلها مثل كثيرات وكثيرين من متصوفة هذه الحقبة، إذ كان من أتوا على ذكرهم قد اهتموا بأحوالهم وأقوالهم من مواعظ وحكم، وليس بأيام عيشهم، وكل ما نعرفه أن عفيرة، التى توصف فى بعض المصادر بعفيرة البصرية، كانت من طبقة عابدات القرن الثانى الهجرى، الثامن الميلادى، حيث العصر الأموى المتأخر، وصدر العصر العباسى، وإن كان هناك مَن يرجح أنها قد توفيت حوالى عام 180 هـ، 796 م، مستندين فى هذا إلى ما ورد عن ذكرها على ألسنة معاصريها من المتصوفة.

هز سرحان رأسه وقال:

ـ ذهبت الأيام على طولها، وضاع كثير من التفاصيل، ولم يبق لنا من أمثال عفيرة سوى مواقف مشهودة، وأحوال لا تنسى.

ابتسم عرفان، وقال:

ـ هذا هو المهم، وما يجب أن يسعى خلفه المخلصون.