د. يسري الشرقاوي يكتب: تهديدات نفطية جديدة
د. يسري الشرقاوي يكتب: تهديدات نفطية جديدة
تحدّثنا منذ اندلاع وتيرة النزاعات شرقاً وغرباً، مؤكدين أن التحدي الأساسي والرئيسى الذي يواجه العالم هو السيطرة على مصادر الطاقة، وأهم هذه المصادر كان وما زال وسيظل هو النفط وإنتاجه، ومنذ أن بزغت شرارة الحرب التي تحمل أهدافاً لتعدّدية الأقطاب وفق أجندة الأقطاب العظمى، في مقدمتها أمريكا والمارد الصيني «مصنع العالم»، ونحن على يقين بأن استقرار النفط وأسعاره ضرب من الخيال، وأن أى استقرار لا يتخطى ولن يتخطى سوى مراحل الاستقرار المؤقت، البعيد كل البعد عن الاستدامة، نظراً لأن المصالح والأهداف لما يطلق عليها الكبار مصالح مختلفة.
ولعلّ ما جرى مؤخراً في النزاع الإقليمي بين أمريكا وإيران ودولة الكيان ومنطقة الخليج ومحاولات عرقلة حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي تمر عبره ٢٥٪ من نفط العالم وتقريباً النسبة ذاتها من تجارة العالم شرقاً وغرباً، جعل هناك حالة من الوضوح بأن ثمة تأثيرات سلبية وإيجابية سوف تنجم في الأجلين القصير والطويل، ففي الأجل القصير، وهذا ما حدث بالفعل، ارتفعت أسعار النفط بشكل مباشر، وهذا الإجراء يحمل الكثير من التأثيرات السلبية المتراكمة، سواء على مصر أو على كثير من دول العالم.
وهنا نجد أن مصر ما زالت تستورد جزءاً من النفط والغاز لتغطية احتياجها، الأمر الذي يُنبئنا بأنه يمكن أن نرى في بعض الأوقات حالة من الضغط على الموازنة العامة للدولة لشراء وتدبير الاحتياجات بالأسعار المرتفعة، وأن الجميع لا بد أن يعلم أن كل ارتفاع في سعر برميل النفط بقيمة واحد دولار عما هو موضوع في الموازنة، فإن زيادة الدولار الواحد تنعكس بالسلب بقيمة مليار جنيه عبئاً على هذه الموازنة، وهذا يفتح الباب أمام احتمالات زيادة في أسعار الطاقة والوقود أو نقص جزئي في إمدادات الطاقة لمحطات توليد الكهرباء، وهذا يحمل وضعاً قاسياً يُهدد كثيراً من نواحى الحياة العامة والاقتصادية، كما أن زيادة أسعار النفط عالمياً تُشكل تأثيرات سلبية كبرى غير مباشرة على الصين مصنع العالم، وهذا يؤثر بالسلب على سلاسل الإمداد والصناعات التكميلية لمصانعنا التي تنتظر الكثير من القطع والأجزاء لاستكمال الدورات الإنتاجية، وكذلك الحال في ارتفاع رسم الشحن والنقل البحرى والتأمين على البضائع، مما يسهم في تقليل وانكماش حركة التجارة الدولية والتأثير السلبي على الصادرات وعلى أسعار الخامات والمنتجات تامة الصنع الواردة، مما ينقل موجة تضخمية غير مباشرة داخل الأسواق، كما أن تأثير النفط على أسعار النقل الجوى يؤثر بشكل مباشر على أسعار الطيران، وبالتالى التأثير على حركة السياحة ودخل السياحة، وأخيراً أن ارتفاع النفط يرتفع معه مباشرة أسعار الذهب المرتفعة بالأساس، وهذا كله يُضعف قيمة الجنيه المصرى، الذي يعانى في مرحلة ورحلة الوجود الاقتصادي والاستقرار المالي.
مما سبق استعراضه يتضح جلياً أن التهديدات النفطية لن تكون مجرد ظواهر زمنية أو وقفات بسيطة في فترات زمنية مختلفة، ولكن سوف نستمر في هذا النفق والماراثون الطويل من التهديدات وتوظيف النفط كسلاح على فترات وأزمنة متعدّدة ومتنوعة التوظيف، لذا كان لازماً علينا أن نحاول أن نضع هذا الأمر دوماً صوب الأعين وقيد التفكير بين الحكوميين ورجال القطاع الخاص والأسر، وكذلك مراكز البحث العلمى والأكاديمى، في محاولة جادة كمشروع قومى ذاتى يتبنّى كيفية إيجاد حلول ناجزة عاجلة مُستدامة تقضي على هذا الهاجس وتمحو هذا التهديد، كيف يمكن إيجاد حلول فاعلة لوقف تهديدات الطاقة؟، وهنا أتصور أن ترشيد استهلاك الطاقة التقليدية أصبح أمراً حتمياً ولا بد أن يكون ثقافة متجذّرة في أذهان وعقول طبقات المجتمع وجزءاً من التكوين الفكري للمجتمعات، وكذلك ضرورة التوجّه السريع بخطط ممنهجة وجداول زمنية في التحول للطاقة البديلة والمتجدّدة مثل طاقة الرياح وطاقة الشمس والطاقة النووية السلمية وطاقة الهيدروجين الأخضر. وهذا التنوع سوف يسهم مساهمة إيجابية في تقليل الاعتماد على النفط التقليدى في مدخلات الحياة الإنتاجية، كما أن القطاع الخاص عليه أن يتبنى عمليات البحث عن استخدام خطوط إنتاج موفّرة في استهلاك الطاقة حتى إن كانت قيم التمويل في تأسيس الأصول الإنتاجية مرتفعة قليلاً، لكن هذا سوف يحمي من مخاطر النفط والتأثيرات السلبية على عناصر التكلفة.
إننا هنا نود أن نوجّه رسالة إلى كل مهتم بالشأن الاقتصادي، في محاولة منا لرفع مستويات التثقيف المجتمعى في ترشيد استهلاك الطاقة، وعلينا أن نتبنى رفع معدلات الوعى والاكتراث باستهلاك الوقود واستهلاك كل عناصر الطاقة آملين أن نكون جميعاً مساهمين في رفع الضغوط جراء هذه التهديدات التي باتت تعادل الأمراض المزمنة على مر العصور، ولعلنا نرفع شعاراً في وجه النفط ذاته «عفواً أيها النفط، كفانا تهديدات، سواء مباشرة، من توظيف وجودك السلبي، أو جراء ما يُسمى بنقمة الموارد».
* مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية
ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة