هل نتوارث الحب والخوف؟
وتنطلق الصواريخ البالستية بكل قدراتها ومدياتها لتنير السماوات وتحطم وتهدم المنازل التي بناها أصحابها بالحب والصبر والغربة والعرق، وتسقط تلك الزينات والأضواء التي أعدها الصغار من أجل الاحتفال بشهر رمضان وسط الأتربة وبقايا الإنسانية بكل صورها لتدوسها الأقدام قبل أن نودع ليالى رمضان.
فتبدو الصورة وكأننا نتوارث الخوف والدمار قبل الحب والأفراح، فعاماً بعد عام وعقداً بعد عقد تنفجر الصراعات لنتذكر تلك الخيالات التي عشناها صغاراً وقد هاجمتنا في منتصف العمر وسنوات النضج صور كاملة بالصوت وصداه وألوان الدماء وسواد البارود وكأنها تكمل صورة استغرق صاحبها سنوات ليرسمها ويوضح معالمها بكل دقة.
وتنفجر المسيَّرات قبل أن تتعارك فوق رؤوسنا وتتحاور كأنها تريد أن تعرف السبب الحقيقى وراء إطلاقها لتقتنع أنها في مهمة مقدسة وأنها في طريقها لتحقيق النصر وإعادة الحق لأصحابه. وتتجول الكاميرات في أنحاء البلاد التي تعانى ويلات الحرب فتتغير تلك الصور التي كان فنانو الإعلانات يبدعون في تركيبها للإعلان عن المتنزهات والشواطئ والجبال وتسلقها وسباق الخيل والجمال والتزحلق على الجليد والمدن الترفيهية ومدن الأزياء العالمية ومهرجانات الجمال ومعارض التسويق العقارى وأسواق الكتب والمتاحف ورحلات السفارى، فلا تجد من كل هذا شىئاً بل ولا تجد مواطنين لأن الحب للأرض وللوطن والتاريخ قتله الخوف الذى ورثوه عبر تلك العقود.
فبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى وبعدها الثانية وحرب فلسطين وتفكك العديد من الدول والإمبراطوريات، اعتقد العالم أن الحروب قد انتهت وأن الحياة انتقلت إلى الاهتمام بالعلم والإنتاج والصناعة والزراعة وتبادل الخبرات، إلا أن كل هذه الأحلام لم تتحقق! وأصبح الميراث الباقى هو الحرب والدمار، والصدمات النفسية. وعرف العالم والإنسانية صدمة الحرب War Trauma وبدأ الأطباء في التركيز عليها وعلى علاجها في محاولات مضنية لحماية الإنسان، وقد عرّفها علم النفس بأنها الاستجابة العاطفية التي تحدث بعد التعرض مباشرة لأحداث مؤلمة تفوق قدرة الشخص على تحملها وتفقده الشعور بالأمان فيسيطر عليه العجز وقلة الحيلة ويصاب بحالة من الذهول وإنكار ما يحدث.
وقد يظهر ذلك في صورة خوف وذعر وقلق وكذلك ارتباك وصعوبة في التركيز وربما الغضب أو الشعور بالذنب. ويؤكد أطباء علم النفس أن هناك فئات معينة عُرضة للإصابة بصدمة الحرب وهم الأشخاص الذين عاشوا الحرب أو كانوا شاهدين على الأحداث المؤلمة والأفراد الذين خاضوا الحرب مباشرة، والأشخاص الذين سمعوا عن تعرض أحبابهم أو أقاربهم لصدمات شديدة جراء الحرب، والأشخاص الذين هم في تعرض مستمر لتفاصيل الأحداث الصادمة الناتجة عن الحرب. إلا أن الأطفال هم الأكثر عرضة للإصابة بالصدمات النفسية جراء الحروب وما يتبعها.
ويوضح الأطباء أن السبب في ذلك أن الطفل لا يزال في مرحلة النمو والتطور العاطفى والجسدى والسلوكى وقد يؤدى تعرضه للتوتر الشديد والخوف من هول الأحداث في الحروب إلى التأثير على التطور الطبيعى للمخ الذى بدوره يؤثر على صحة الطفل النفسية والبدنيّة كما قد يواجه صعوبة الاندماج في المجتمع.