ترامب و«الضباب» الاستراتيجي

ليس من السهل فهم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الحرب الدائرة مع إيران. فمنذ اللحظة التى بدأت فيها الولايات المتحدة حشد قواتها في المنطقة، بالتوازى مع استمرار المسار الدبلوماسى والمفاوضات، بدا المشهد وكأن واشنطن تديره بحالة متعمدة من «الغموض الاستراتيجي».

فقد تزامنت الرسائل السياسية التى تتحدث عن فرص التهدئة مع تحركات عسكرية متصاعدة، في مزيج جمع بين التفاوض والاستعداد للحرب.


هذه الحالة استمرت بعد اندلاع حرب «الغضب الملحمى» في الثامن والعشرين من فبراير الماضى. فمنذ ذلك الحين يُغرق ترامب العالم بتصريحات متناقضة؛ فقد أعلن قبل يومين أن الحرب حققت أهدافها أو تقترب من نهايتها، ثم بعد ساعة عاد ليتحدث عن ضرورة استمرار العمليات العسكرية والضغط على طهران حتى تستسلم. غير أن هذا التناقض لا يبدو مجرد ارتجال سياسى، بقدر ما يعكس أسلوباً متعمداً في إدارة الصراع عبر توجيه رسائل متناقضة في الوقت نفسه.


وهذا النمط من الخطاب الضبابى لم يظهر فقط مع الحرب الحالية، لكنه سمة أساسية في الأسلوب السياسي لترامب منذ توليه الحكم. فقد اعتاد الرئيس الأمريكي استخدام لغة حادة ومباشرة، تجمع بين المبالغة في إعلان الانتصارات والتهديد الدائم بالتصعيد، بما يخلق حالة من عدم اليقين لدى الخصوم والحلفاء على السواء. ويهدف هذا الأسلوب إلى إبقاء جميع الأطراف في حالة ترقب دائم، بحيث يصعب التنبؤ بالخطوة التالية لواشنطن. وفى كثير من الأحيان يستخدم ترامب التصريحات المتناقضة نفسها كأداة تفاوضية؛ يرفع سقف التهديد في لحظة، ثم يفتح باب التهدئة في لحظة أخرى، بما يسمح له بالمناورة السياسية وتحسين شروط التفاوض.


وإذا أردنا فهم الخلفية الفكرية لهذا الأسلوب في إدارة الأزمات، فقد يكون من المفيد التوقف عند كتاب «فن الصفقة» أو The Art of the Deal الذى ألّفه دونالد ترامب في ثمانينات القرن الماضى. فهذا الكتاب، الذى يقدم فلسفة ترامب في التفاوض وإدارة الصفقات، يقوم على مبدأ أساسى هو إبقاء الطرف الآخر في حالة عدم يقين دائم، ورفع سقف المطالب والضغوط قبل الوصول إلى أى تسوية. ومن هذا المنظور يمكن فهم حالة «الضباب» التى تحيط بالخطاب السياسي الأمريكي اليوم باعتبارها جزءاً من منطق تفاوضى يسعى إلى امتلاك اليد العليا في أى صفقة محتملة. فالغموض المقصود، والتصريحات المتناقضة، والانتقال المتكرر بين التصعيد والتهدئة، كلها أدوات تفاوضية تسمح لواشنطن بزيادة أوراق الضغط قبل أن تقرر في النهاية شكل التسوية التى تراها مناسبة.


ورسائل الخطاب السياسي الأمريكي تكون في الأساس موجهة إلى الداخل؛ رسائل طمأنة وتهدئة ودعم للشعبية والتأييد. فالولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية، تبقى دولة شديدة الحساسية تجاه الحروب الطويلة وتكاليفها. لذلك يسعى ترامب إلى تقديم الحرب بوصفها نجاحاً سريعاً، حتى في ظل استمرار العمليات العسكرية.


فيما يحمل الخطاب الأمريكي أحياناً رسائل إلى الشريك الإسرائيلى، خاصة بعد حديث ترامب مؤخراً حين بدا وكأنه استشعر تجاوزاً في بعض الضربات الإسرائيلية التى استهدفت منشآت نفطية ومناطق مدنية داخل إيران، وهو ما أثار مخاوف داخل واشنطن من نتائج عكسية قد تدفع إليها مثل هذه الضربات، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام غربية.


ومن هنا يمكن أيضاً فهم حديث ترامب عن أن الحرب «انتهت» أو «تقترب من نهايتها» باعتباره إشارة غير مباشرة إلى أن واشنطن لا ترغب في حرب طويلة.


غير أن الواقع الميدانى يظل أكثر تعقيداً. فعلى الرغم من التفوق العسكرى الواضح للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن استمرار إيران في إطلاق الصواريخ وإحداث خسائر داخل إسرائيل يعنى أن المعركة لم تصل بعد إلى نقطة الحسم. وفى مثل هذه الحالات يصبح عنصر «القدرة على الصمود» عاملاً مهماً في ميزان الصراع، لأن مجرد استمرار الخصم في القتال يفرض تكلفة متواصلة على الطرف الآخر.


وكان أحد أهم رهانات الحرب يقوم على أن الضربة الأولى ستُحدث صدمة كبيرة داخل إيران، وربما تؤدى إلى انهيار سريع في بنية النظام. لكن هذا التقدير تجاهل طبيعة الدولة الإيرانية، حيث غالباً ما تؤدى الضغوط الخارجية إلى تعزيز الالتفاف الداخلى حول الدولة بدلاً من إضعافها.


هذا الوضع يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة؛ فاستمرار الحرب يعنى ارتفاع تكلفتها السياسية والاقتصادية، بينما قد يُفسَّر إنهاءها دون إنجاز واضح باعتباره تراجعاً استراتيجياً. لذلك يبدو أن الخطاب السياسي الأمريكي يحاول الجمع بين الضغط العسكرى وتهيئة الرأى العام لاحتمال إنهاء الحرب.


وتؤكد هذه الحرب أن الصراعات الكبرى لا تُدار فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في ساحة الخطاب السياسي والإعلامى. ففى الحروب الحديثة تصبح الكلمات جزءاً من أدوات الصراع، تُستخدم لإدارة التوقعات والضغط على الخصوم والحلفاء في آن واحد.