اللون الأزرق.. شبه الناس اللي أنا منهم
نعم ذهبت دراما الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية إلى أبعد مدى يمكن أن تبلغه المخيلة الدرامية.. مضت بخطى واثقة نحو مناطق بكر في الوجدان الإنساني.. مناطق ربما لم تمتد إليها يد السرد من قبل أو لم تضاء فيها مصابيح التأمل بما يكفي.. ذهبت وهي تدرك بوعي جمالى وفلسفة إنسانية أن ما يبقى في ذاكرة الناس ليس مجرد الحكاية بل الأثر، وأن ما ينفع الناس هو الغاية وما يلامس وجدانهم هو المقصد الحقيقى للفن.
ذهبت الدراما المصرية إلى اللون الأزرق، ذلك اللون الذى يتكئ في علم الجمال وعلم النفس على دلالات السكينة والطمأنينة والصفاء.. اللون الذي يشعر في حضرته أطفال اضطراب طيف التوحد بهدوء يشبه السكون الكوني، وكأن الزرقة هنا ليست مجرد لون بل حالة شعورية.. مساحة رحبة من الطمأنينة النفسية وملاذ بصرى يفيض بالسكينة.
لم تذهب الدراما إلى الأزرق لمجرد التوعية بمرض يصيب بعض أطفالنا ولا لتسجيل حالة طبية باردة في سجل الوقائع، بل ذهبت لأن هؤلاء الأطفال أبناؤنا لأنهم يشبهوننا في إنسانيتهم في براءتهم الأولى في جوهرهم النقى الذى لم تمسه قسوة العالم.. هم لا يختلفون عنا ولا ينقصهم شىء من جوهر الكرامة الإنسانية، إنهم فقط يعبرون الحياة بطريقتهم الخاصة بلغة مختلفة وإيقاع خاص لا يسمعه إلا من اقترب بقلبه قبل عقله.
نعم سلطت الدراما ضوءاً على حكاية تؤرق ما يزيد على مليون ونصف المليون أسرة مصرية وفقاً للتقديرات والإحصاءات.. نعم هناك ما يقرب من هذا العدد أو يزيد من أصحاب اللون الأزرق يعيشون بيننا، يشاركوننا الشوارع والبيوت والأحلام الصغيرة، لكن كثيرين ربما لم ينتبهوا بعد إلى حضورهم الإنساني.
إن موضوع مسلسل «اللون الأزرق» الذى يعرض الآن واحد من تلك الموضوعات الشائكة، التى تتطلب حساسية فنية ومعرفة دقيقة، وقد تناولها العمل بحرفية عالية وبقدر واضح من البحث والدراسة، محاولاً أن يقترب من معاناة الأسر المصرية التى تعيش يومياً مع طفل مصاب باضطراب التوحد.. إنها معاناة مركبة لا يفهم طبقاتها الكثيفة كثيرون، ولا يتقبلون ذلك الملاك البرىء بسهولة، وهنا تحديداً كان لا بد أن تتقدم الدراما إلى المشهد لا بوصفها ترفيهاً عابراً بل باعتبارها ضميراً ثقافياً يذكر المجتمع بأن هؤلاء الأطفال ليسوا غرباء، ولا مجرد أرقام في دفاتر الإحصاء، بل بشر مثلنا يعيشون بيننا ولهم الحق الكامل في الحياة والكرامة والاحتواء.
الحقيقة أن المسلسل الذى كتبته ورشة سرد بقيادة المبدعة مريم نعوم جاء بنعومة فنية لافتة، وبتمكن سردى رفيع كوتر مشدود في كمان عتيق، يصدر ألحاناً عذبة تتردد في فضاء الروح... نص يفتح باب قضية معقدة بلغة إنسانية شفافة ويضعنا أمام سؤال وجودى.. كيف نفهم أبناءنا الذين يعيشون داخل عالم مختلف؟ وكيف نتعلم لغة قلوبهم حين تعجز اللغة المعتادة عن الوصول إليهم؟
أما المخرج سعد هنداوى فيقدم دراما واقعية متزنة خالية من التنظير الصاخب أو المبالغة العاطفية.. دراما لا تتاجر بالمرض ولا تستثمر الألم، بل تضع يدها برفق ومسئولية على جرح اجتماعى حقيقى.. كيفية تعامل المجتمع مع ملائكة اللون الأزرق.. يقترب من القضية بعين إنسانية وبحس بصرى هادئ كأنه يرسم لوحة اجتماعية تتقاطع فيها المعاناة مع الأمل والوعي مع التعاطف.
وليس مصادفة أن يتقاطع هذا العمل الدرامى مع ما أعلنته منظمة Autism Speaks في اليوم العالمى للتوعية بالتوحد حين أطلقت مبادرة «أضيئها بالأزرق»، تلك المبادرة التى تدعو العالم إلى إضاءة معالمه باللون الأزرق تضامناً مع المصابين بالتوحد، وتأكيداً على حضورهم الإنساني في نسيج المجتمع.
وفى السياق ذاته تبدو الدراما المصرية وكأنها تترجم هذه الفكرة بلغة الفن، إذ أطلقت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية مسلسل «اللون الأزرق» ليكون بمثابة مصباح رمزى يضىء وعينا الجمعى، ويذكرنا بأن الأزرق ليس لوناً فحسب بل حكاية إنسانية بأداء رفيع المستوى وهضم كامل للشخصية من النجوم جومانا مراد وأحمد رزق.. هذا الثنائى الذى اختار أن يسبح ضد التيار بتمكن وفهم عميق مع وجود الطفل على بطل الحكاية.. فاللون الأزرق في نهاية المطاف ليس غريباً عنا…إنه شبهنا أو كما جاء في تتر البداية البديع الذى غناه تامر عاشور «أنا شبه الناس اللى أنا منهم» من كلمات الشاعر نادر عبدالله.