حمزة العيلي.. القادر على النفاذ للروح
يدرك حمزة العيلى بوعى الفنان الذى خبر العتمات والأنوار معاً أن وجوده فى هذا الكون الدرامى ليس رفاهية عابرة ولا حضوراً يمكن الاستغناء عنه كأى تفصيلة صغيرة فى مشهد واسع بل هو فعل ومعنى وضرورة جمالية وامتداد لرحلة طويلة من الأسئلة التى يطرحها الفن على الحياة... يعرف فى أعماقه أن الفنان الحقيقى لا يقاس بمساحة الدور ولا بطول حضوره على الشاشة لأن الفن فى جوهره لا يخضع لمنطق المسطرة والزمن بل لمنطق الأثر فى الروح... لذلك فإن القاعدة الأساسية فى النجاح الفنى كما يراها ويعيشها ليست كبر الدور ولا اتساعه بل قدر التأثير الذى يتركه ودرجة الصدق التى يتوهج بها الأداء حتى يصبح أشبه باعتراف إنسانى خالص...
فالفن فى نظره ليس صخباً ولا استعراضاً بل لحظة صفاء بين الإنسان ونفسه لحظة تنكشف فيها الحقيقة العارية للشخصيات كأنها مرايا مرفوعة أمام الوجود... ولهذا يؤمن حمزة العيلى بأن الضوء الصغير فى قلب العتمة قد يكون فى بعض الأحيان أكثر قدرة على إنقاذ الروح من ألف شمس ساطعة... ومضة صدق واحدة قد تعيد ترتيب ظلال العالم كله وقد تمنح المشاهد طوق نجاة غير مرئى من بحر الحياة المتلاطم... غير أن حمزة لا يكتفى بأن يكون مجرد ومضة بل يبدو فى حضوره كأنه مصباح متوهج أينما حل يضفى على المشهد شعاعاً من الأمل ويعيد إلى المهنة تلك الهالة القديمة التى كانت تجعل من الفن فعل خلاص وجمال...
إن الأمل الذى يحمله حضوره ليس أملاً شخصياً ضيقاً بل أمل يتجاوز الفرد إلى الفكرة... فكرة أن المبدع المصرى فى جوهره ليس مجرد اسم فى تترات عمل درامى بل هو طاقة فكرية وروحية ممتدة عبر الزمن... فالمبدع فكرة والفكرة كما يقول الحكماء لا تموت.
حمزة العيلى فى السياق الدرامى ينتمى إلى نسل الكبار تلك السلالة النادرة التى تحمل فى جيناتها الإبداعية روح المغامرة وصرامة الالتزام الجمالى... هو من أولئك الذين يمشون فى الحياة بخطوات هادئة لكنها راسخة كأنهم يعرفون الطريق حتى حين يبدو غامضاً... يخطو بثقة العارفين الذين خبروا دهاليز الفن وبثبات المحاربين الذين يخوضون معاركهم اليومية دون ضجيج أو ادعاء...
وفى خطواته إذا تأملتها جيداً تلمح شيئاً من أرواح المبدعين الكبار الذين مروا من هنا وتركوا آثارهم فى الذاكرة.. ليست المسألة تقليداً ولا استعادة للماضى بل امتداد خفى لذلك النَفَس الإبداعى الذى كان وما زال يسكن كل فنان حقيقى... ذلك النَفَس الذى يجعل الفن أكثر من مهنة، يجعله نوعاً من الرسالة الوجودية أو إن شئت الدقة نوعاً من التأمل العميق فى معنى الإنسان...
يتنقل حمزة العيلى بين الأدوار كما يتنقل المسافر الحكيم بين المدن مدركاً أن كل خطوة فى هذه الرحلة محسوبة ومقدَّرة حتى لو كان الطريق مغطى برمال متحركة حيث احتمالات النجاة قليلة وحيث يبتلع الخطأ خطوة كاملة من المسار... لكنه مع ذلك لا يتراجع لأن الفنان الحقيقى لا يخشى المغامرة بل يتصالح معها ويعرف أن الجمال كثيراً ما يولد من حافة الخطر.
لا يهتم بحجم الدور بقدر ما يهتم بقيمته الدرامية والإنسانية... يبحث عن الجوهر الخفى للشخصية، عن النغمة العميقة التى تمنحها روحها الخاصة... ولذلك فهو لا يعرف الاستسلام لنمط أداء واحد ولا يرضى أن يحاصر نفسه فيما يسميه صناع المهنة «الأداء من الدرج الأول» ذلك التعبير الذى يطلقه أهل الفن على الممثل الهش الكسول الذى يكتفى بمنطقة أداء واحدة يكررها فى كل مرة كأن الإبداع صندوق مغلق لا يفتح إلا بطريقة واحدة...
أما حمزة العيلى فيتعامل مع الأداء كأن له أدراجاً لا تنتهى فى ذاكرة الروح... فى كل مرة يفتح درجاً جديداً يستخرج منه ملامح أداء لم تُرَ من قبل... يبحث بصبر المتأمل عن أعمق منطقة إنسانية تناسب الشخصية وعن الشكل التعبيرى الذى يجعلها حقيقية إلى درجة أن المشاهد يصدقها كما يصدق نفسه...
ولذلك يقنعك -دون استعراض- أنه «درويش» الهائم بالفن.. ذلك الذى يسكنه شوق طفولى إلى التمثيل حتى حين يتلعثم فى الكلام فى مسلسل «النص»... ذلك التلعثم ليس ضعفاً فى الأداء بل علامة صدق إنسانى كأن الكلمات نفسها تقف مرتبكة أمام فيض المشاعر...
وفى لحظة أخرى يتحول إلى «عونى» الإنسان البسيط النبيل فى مسلسل «حكاية نرجس» ذلك العاشق الذى لا يطلب من الدنيا أكثر من قلب واحد يحتضنه... رجل يرى العالم من زاوية الحب لا من زاوية المكاسب... لا يسعى إلى بطولة صاخبة ولا إلى مجد درامى مبالغ فيه كل ما يريده أن يفوز بقلب «نرجس» وأن يمنحها ما تريد دون شروط أو مساومات... وكأن الحب فى منطقه البسيط والعميق ليس امتلاكاً بل عطاء، وليس انتصاراً بل تسليم جميل للقدر...
وفى كل مرة يثبت حمزة العيلى أنه ليس مجرد ممثل موهوب بل رقم مهم فى معادلة التأثير الدرامى... هو أحد أولئك القادرين على الحفاظ على الدهشة الفنية وعلى إبقاء البريق الإنسانى للمهنة حياً فى زمن يتعرض فيه الفن كثيراً لخطر التكرار والبرود...
«حمزة» يملك مخازن واسعة من الإبداع أشبه بمكتبة داخلية هائلة من التجارب والإحساسات... ومع ذلك لا يتعجل ولا يركض خلف الأضواء الزائفة التى قد تخطف الأبصار لكنها لا تصنع تاريخاً... كل ما يعنيه أن يكون صادقاً، أن يترك أثراً حقيقياً، أن يضيف إلى رحلته حجراً جديداً من المعنى...
والحقيقة أن الرهان على موهبة حمزة العيلى هو رهان كسبان دائماً... ليس فقط لأن موهبته قادرة على أن تفاجئك فى كل مرة بانفجار إبداعى جديد بل لأن هذا الرهان فى عمقه رهان على فكرة أكبر من فرد.. فكرة أن المبدع المصرى ما زال الكنز الحقيقى فى رحلة الفن وأنه -رغم العواصف والتقلبات- يظل الجواد الأصيل فى سباق الإبداع والتأثير...
ذلك الجواد الذى يعرف الطريق حتى حين تتشابه الطرق، والذى يواصل الركض لا لأنه يبحث عن خط النهاية بل لأنه يعرف أن الرحلة نفسها هى المعنى وأن الفن -فى النهاية- ليس مجرد أداء يقدم على الشاشة بل تجربة روحية عميقة واحتفال دائم بقدرة الإنسان على تحويل الحياة بكل ما فيها من ألم وهشاشة إلى جمال.