رحمة وفدوى.. ضوء عثر على نافذته الصحيحة

محمد عدوي

محمد عدوي

كاتب صحفي

دراما رمضان ليست موسماً تليفزيونياً بقدر ما هى طقس سنوى من طقوس الميلاد الفنى، أرض أسطورية تلقى فيها بذور الموهبة فتخرج مكسوة بهالة من الضوء، هى نافذة لا تفتح على الشارع بقدر ما تفتح على القدر وباب خفى تعبر منه الأسماء من هامش النسيان إلى مركز الذاكرة فتدهشك كما تدهش المعجزات، ومع كل عام يتجدد الإيمان بأن شجرة الفن فى مصر تضرب جذورها فى تربة أعمق من العابرين وأن وهجها ليس ضوء مصابيح بل نار قد تخبو على السطح لكنها لا تنطفئ فى القلب، هذا العام بدا المشهد كحديقة فتحت أبوابها دفعة واحدة... فرص أكثر سخاء واكتشافات كأنها نداءات بعيدة عادت فجأة إلى مسامعنا، وأسماء خلف الكاميرا وأمامها ظهرت ككواكب لم نكن نعلم أنها تدور فى فلكنا.. بهجة ممزوجة بطمأنينة نادرة كأن المستقبل يربت على كتف الحاضر.. وفى قلب هذا الحراك يبرز دور الشركة المتحدة بوصفها مهندس الضوء فهى لا تصنع الأعمال بقدر ما تصنع السياق الذى يسمح للموهبة أن تتجلى.. تنقب فى طبقات الصمت عن أصوات جديدة وترد الاعتبار لأسماء غمرها الغبار كمن يعيد ترميم مزهرية قديمة لتعود أكثر بريقاً.


وكان من أكثر ما شد الروح هذا العام ذلك التوهج الغامض الذى أحاط برحمة أحمد فى «عرض وطلب»، «رحمة» التى خرجت من «الكبير» بإشراقة خاطفة كنيزك لكنها إشراقة ثقيلة الثمن إذ حاصرتها صورة الكوميديا كما تحاصر المرآة وجهاً لا يملك أن يشيخ خارجها، غير أنها هنا مع المخرج -الاكتشاف أيضاً- عمرو موسى والمؤلف محمود عزت وأمام سلمى أبوضيف -تلك التى تزهر أينما وضعت كغصن يعرف طريق الضوء- بدت كأنها تتخلى عن جلد قديم لتكتشف هشاشتها الإنسانية لا قوتها الضاحكة، لا تسعى إلى انتزاع الضحك ولا إلى استعراض براعة محفوظة بل تنصت إلى الشخصية حتى تنطق من داخلها شخصية «خيرية» التى لا تؤدّيها بقدر ما تسكنها كأنها تستعير قلباً آخر وتخفق به فى أدائها.. شىء من الاقتصاد الصوفى أقل الوسائل وأعمق الأثر ويبدو أن إصرارها على التحول لم يكن قراراً مهنياً بل فعل إيمانى خالص بعمق موهبة ترفض أن تختزل.. وهكذا ظهرت رحمة أحمد فى «عرض وطلب» كنجمة لم تولد الآن بل أعادت اكتشاف سمائها كضوء قديم عثر أخيراً على نافذته الصحيحة.


ومن رحمة أحمد إلى فدوى عابد، تلك التى لا تطرق باب القلب بل تجده مفتوحاً قبل أن تصل.. حضورها لا يعلن نفسه بل يتسرب كالعطر الذى لا ترى طريقه لكنك تدرك امتلاء المكان به، مع «فدوى» يتأكد أن الفن الحقيقى لا يحتاج إلى بهارات وأن الصدق -ذلك المعدن النادر- هو الطريق الأقصر والأقسى فى آن واحد إلى روح المتلقى، فدوى فى «اتنين غيرنا» ليست فدوى فى «حد أقصى» لا فى النبرة ولا فى الإيقاع ولا فى الكثافة الشعورية كأن ممثلة أخرى تسكن الجسد ذاته وهذه مفارقة نادرة حين يتجاور عملان فى الزمن ولا يتداخلان فى الروح، وما يميزها ليس قدرتها على التقمّص فحسب بل تلك الإنسانية الشفافة التى تجعلها قابلة للتصديق فى كل هيئة.. أرستقراطية كأنها ولدت بين المرايا أو بنت بلد كأنها خرجت لتوها من دفء الحارات، فى الحالتين تشعر أنها «واحدة منا» قريبة كذكرى شخصية لا كممثلة على شاشة.. تمتلك سحراً هادئاً قوامه التلقائية الماهرة والتمكن غير الصاخب وتختار أدوارها كما يختار العارف كلماته... قليلاً لكن بدقة تصيب المعنى... كنا ننتظر ظهورها كما ننتظر مقطعاً مفضلاً فى أغنية، وكلما حضرت أضافت طبقة جديدة من الثقة فى أن المستقبل لم يغلق أبوابه بعد.. فدوى عابد واحدة من العلامات المضيئة فى خريطة هذا الموسم ودليلاً آخر على أن الدهشة لا تزال ممكنة وأن الفن -حين يكون صادقاً- لا يشيخ بل يبدل وجوهه فقط.