أعلام التصوف من النساء (25).. سكينة بنت الحسين القيثارة الحزينة عالية الأخلاق
خرج عرفان وسرحان من مسجد السيدة نفيسة، وانعطفا يميناً فى شارع الأشراف، الذى يسميه البعض «مسار آل البيت» حتى بلغا مسجد السيدة سكينة بنت الحسين. توقفا أمامه، فأطال عرفان النظر إلى هيئته البهية المهيبة، وسأل سرحان:
متى بُنى هذا المسجد؟
أجابه عرفان:
كانت بدايته على يد المأمون البطائحى، وزير الآمر بأحكام الله الفاطمى، لكنه صار مسجداً مكتملاً حين بناه الأمير عبدالرحمن كتخدا عام 1760م، وتم تجديده فى عهد الخديو عباس حلمى الثانى، ثم طورته وزارة الأوقاف المصرية لاحقاً.
نظر عرفان إلى الضريح وقال:
كلمَّا نظرت إليه، اجتاحنى ألم شديد، وحبست دموعى.
نظر إليه سرحان مندهشاً، وسأله:
لِمَ كل هذا؟
أتذكر كيف فُجعت سكينة لما رأته يوم عاشوراء، حيث أجساد أبيها الحسين وإخوتها وأعمامها وأهل بيتها غارقة فى الدماء. لم يرحموا أخاها الرضيع فذبحوه.
مثل هذا الموقف لا يمكن أن يفارق مخيلة الإنسان ما دام حياً.
كيف لها نسيان ما قاله لها أبوها الحسين قبل أن تبدأ المعركة التى استشهد فيها، فقد نظر إليها وأنشد:
«سيطولُ بعدى يا سكينة فاعلمى.. منكِ البكاءُ إذا الحِمامُ دهانى
لا تحرقى قلبى بدمعكِ حسرةً.. ما دامَ منِّى الروحُ فى جثمانى
فإذا قتلتُ فأنتِ أولى بالذى.. تأتينه يا خيرة النسوان».
كان هذا يؤلمها أشد الألم، وهو ما تبينه أبيات شعر رثت فيها أباها، تقول فيها:
«لا تعذليه فهمٌّ قاطعٌ طُرقُه.. فعينُه بدموعٍ ذُرّفٍ غَدِقَه
إنَّ الحسينَ غداةُ الطفِّ يرشقه.. ريبُ المنونِ فما أن يخطئ الحدقه
بكفِّ شرِّ عبادِ اللهِ كلهم.. نسلُ البغايا وجيشُ المُرَّقِ الفَسقه
يا أمةَ السوءِ هاتوا ما احتجاجكم.. غداً وجلُكمُ بالسيفِ قد صفقه
الويلُ حلَّ بكمْ إلّا بمن لحقه.. صيَّرتموه لأرماحِ العِدى درقه
يا عينُ فاحتفلى طولَ الحياةِ دماً.. لا تبكِ ولداً ولا أهلاً ولا رفقه
لكن على ابن رسولِ اللهِ فانسكبى.. قيحاً ودمعاً وأثريهما العَلقه».
يبدو أن الحسين كان يحبها كثيراً.
فعلاً، هى وأمها الرباب بنت امرئ القيس الكِنْدىِّ ملكِ بنى كلب، وقد أنشد هو معبراً عن هذا الحب الجم:
«لعمركَ أنّنى لاُحبّ داراً.. تحلّ بها سَكينة والربابُ
أحبّهما وأبذل جلّ مالى.. وليس للائمى فيها عتابُ
ولستُ لهم وإن عتبوا مطيعاً.. حياتى أو يعلّينى الترابُ».
هز سرحان رأسه، ثم سأل:
ما الذى أتى بها إلى مصر؟
أجاب عرفان:
قتل زوجها وهو ابن عمها عبدالله بن الحسن الأكبر يوم كربلاء، وقيل إنه لم يكن قد دخل بها بعد، فجاءت إلى مصر مع عمتها زينب هروباً من ظلم بنى أمية، لكنها لم تلبث أن عادت إلى الحجاز. وأثناء وجودها فى مصر رآها الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان أميرُ مصر، فخطبها من أخيها علىِّ زين العابدين، واختار لها بيتاً فى منية مسروح بن سندر قريبة من حى المطرية الآن، وفى طريق مجيئها إلى مصر مرة ثانية علمت أن الأصبغ رجل ظالم فأقسمت ألا تتزوجه، ووقاها الله شرور هذه المواجهة، فمات الأصبغ وهى فى الطريق، فانتقلت إلى دار كانت مكان مسجدها الذى نراه الآن.
لم تتزوج إذن؟
هناك من ينسب إلى أبيها الحسين وصفه لها بأنها «مستغرقةٌ فى حبِّ الله سبحانه، فلا تصلحُ لرجلٍ فَرِعٍ ولا غِرٍّ؛ فهى معدنُ النبوَّة، وصفوةُ الخلاصة فى هذه الأمَّة». ويوجد من يقول إنها تزوجت من مصعب بن الزبير، لكن هذا الخبر ينفيه البعض واصفين إياه بالكذب والإفك.
سمعت أن لها اسماً آخر.
اسمها آمنة وقيل أمينة، وقد ولدت سنة 47 ه، لكن أمها الرباب كانت تناديها بسكينة، لما رأت فيها من وداعة وهدوء طباع ومسالمة.
شرد عرفان قليلاً، ليأتى بشىء ضائع فى ذاكرته، ثم قال:
قرأت فى موسوعة «مساجد مصر وأولياؤها الصالحون» للدكتورة سعاد ماهر أن شخصية السيدة سكينة بدأت تظهر فى مكة عندما بلغت الثالثة عشرة من عمرها، فحين أقبل موسم الحج سنة ٦٠ه كانت سكينة قبلة الأنظار لحسنها وظرف حديثها وأناقتها الساحرة، حتى صارت مثلاً يحتذى، فلم تبق شابة حسناء إلا وحاولت أن تقلد تصفيف شعرها. على أن مرح السيدة سكينة وأناقتها لم يلهها عن التعبد الذى يصل أحياناً إلى درجة الاستغراق.
قهقه عرفان وقال:
لم يتوقف الأمر عند اسمين لها إنما لها صورتان.
كيف هذا؟
هناك من يراها أديبة كانت تقرض الشعر، وتعلم أسرار اللغة العربية وتتذوق الأدب وتنقده، وأنها جمعت حولها كثيراً من الأدباء، فكانت تجيزهم، وتعطيهم. وقد أورد هذا الأصفهانى فى كتاب «الأغانى»، ناقلاً هذا عن رجل اسمه الزبير بن بكار، وقال إن الفرزدق زارها بعد أن انتهى من شعائر الحج، وسألته:
مَن أشعر الناس؟ فأجابها على الفور: أنا. فقالت له: كذبت، أشعر منك الذى يقول، وكانت تقصد جرير خصم الفرزدق:
بِنَفسِيَ مَن تَجَنُّبُهُ عَزيزٌ.. عَلَىَّ وَمَن زِيارَتُهُ لِمامُ
وَمَن أُمسى وَأُصبِحُ لا أَراهُ.. وَيَطرُقُنى إِذا هَجَعَ النِيامُ».
ويقال إن الفرزدق عاد إليها فى اليوم التالى، فوجهت له السؤال نفسه، وأجابها بما أجابه بالأمس، وقال لها: «والله لو أذنتِ لى لأسمعتكِ أحسن منه. فردّت عليه، صاحبك جرير أشعر منك، حيث يقول:
«لَولا الحَياءُ لَعادَنى اِستِعبارُ.. وَلَزُرتُ قَبرَكِ وَالحَبيبُ يُزارُ».
وتكرر ذات السؤال والإجابة نفسها فى اليوم الثالث، وأسمعت سكينة الفرزدق ما يقول جرير:
«إِنَّ العُيونَ الَّتى فى طَرفِها حَوَرٌ.. قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا
يَصرَعنَ ذا اللُبَّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ.. وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا».
لكن هناك مَن يرفض هذا تماماً، ويراه افتراء على السيدة سكينة، ويقول هؤلاء إنها لم تنشد فى حياتها سوى سبعة أبيات فى رثاء أبيها، وكانت وقتها أسيرة. وأتذكر أن الدكتورة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) قد فندت ما تردد عن مجلس الأدباء الذى عقدته السيدة سكينة، متفقة فى هذا مع ما أورده المحققان عبدالرزاق المقرم، وتوفيق الفكيكى. ويوجد من يتعجب من اعتماد الأصفهانى فى روايته على الزبير بن بكار، وهو المعروف بعدائه لآل البيت، بل لسائر بنى هاشم، وكان يختلق مفتريات فى رجالهم ونسائهم حتى عزموا على قتله ففر من مكة إلى بغداد أيام المتوكل، وهو ما ذكره ابن خِلّكان فى تاريخه «وفيات الأعيان».
صمت سرحان برهة، ثم سأل:
وهل يضير سكينة أنها كانت تهتم بالأدب، أو تنشد الشعر؟
أجاب عرفان:
لا، لكن هناك من يرى أن هذا يجرح صورتها كزاهدة عابدة، لاسيما أن من تحدثوا عن مجلسها قالوا إنه كان يستضيف أهل الطرب والغناء أيضاً، بل ذهبوا إلى أن الشاعر عمر بن أبى ربيعة قد تغزل فيها، وهو يحضر مجلسها.
تاه عرفان قليلاً، وعاد:
يتنافى الحديث عن الطرب والغناء فى مجلس سكينة مع وصفها بأنها «قيثارة مكة الحزينة» فقد عاشت فى مأتم أهل المدينة لعام كامل حزناً على الحسين، وكانت أشدهم حزناً الرباب أم سكينة، فيما كانت زوجة الإمام على بن أبى طالب تخرج إلى البقيع كل يوم فتبكى أبناءها الأربعة، الذين استشهدوا فى كربلاء، فتلبث نهارها هناك تندب بنيها وهى تجهش ببكاء حار، فيجتمع الناس حولها، يسمعون منها، ويبكون مثلها.
لكن هناك من يؤكد أنها كانت حريصة على عقد مجلسها لأهل مصر.
نعم، كان للعلم والأدب، لتظل هى به مثالاً للاهتمام بالمعرفة والفضيلة.
صمت عرفان برهة، ثم واصل:
كانت تقضى وقتاً طويلاً مستغرقة فى العبادة، وكانت زاهدة، وعرف أهل مصر ما لها من صلاح وورع، فكانوا يقصدونها طالبين منها البركة وأن تدعو لهم. وشاع بينهم أن من يجلس إليها يحل فى نفسه صفاء وهدوء وسكينة وراحة عجيبة، وهو أمر لا يزال قائماً إلى أيامنا هذه، حتى إن الناس يأتون إلى ضريحها لطلب هذا، حين يقصدون مسار آل البيت، حيث مساجد السيدات زينب ونفيسة ورقية.
قضت سكينة سنيَّها والدمعة لا تفارق عينيها كُلمَّا تذكرت ما جرى فى يوم عاشوراء، وظلت على حالها هذه حتى وافتها المنية عام 117 ه عن أربعة وسبعين عاماً.