د.محمد عبدالرحيم البيومي يكتب: الرسالة القشيرية.. ميزان السلوك ومحراب التحقيق

كتب: محرر

د.محمد عبدالرحيم البيومي يكتب: الرسالة القشيرية.. ميزان السلوك ومحراب التحقيق

د.محمد عبدالرحيم البيومي يكتب: الرسالة القشيرية.. ميزان السلوك ومحراب التحقيق

فى منعرج القرن الخامس الهجرى، وبينما كانت أمواج الحيرة تضرب سواحل الفكر الإسلامى، وتلتبس المسالك على السائرين بين دعاوى الغلاة وشطحات الجاهلين بمقام العبودية، برزت الحاجة الماسة إلى معلَمٍ يهدى الحائرين، ويضبط إشارات السالكين بميزان الكتاب والسنة. لم يكن التصوف حينها مجرد أحوال وجود، بل كان ضرورة روحية لاستعادة جوهر الإحسان فى أمةٍ كاد يُغرقها الجدال الكلامى أو يُيبّسها الجمود الرسمى. فى هذا السياق الوجدانى والعلمى الدقيق، انبثق نور «الرسالة القشيرية» لتكون صمام أمان يحفظ على القوم أذواقهم، ويصون على الشريعة حدودها، ولتعلن فى يقين هادئ أن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهى زندقة، وأن كل شريعة تخلو من الحقيقة هى رياء.

لم يكن الإمام أبوالقاسم عبدالكريم القشيرى مجرد ناقل للأخبار أو جامع للأقوال، بل كان نموذجاً فذاً للعالم الذى تنفس بالعلم قبل أن ينطق به. نشأ القشيرى فى بيئة نيسابورية عجّت بالعلوم، فجمع بين براعة المتكلم فى أصول الدين، ودقة الفقيه فى فروع الشريعة، لكن روحه لم ترتوِ إلا حين وضع يده فى يد شيخه أبى على الدقاق. لقد كان القشيرى يمثل ذلك الجيل الذى أدرك بوعيه العميق أن الفصل بين «العلم» و«الحال» هو بترٌ لروح الإسلام؛ لذا جاءت رسالته انعكاساً لشخصيته التى صهرت قسوة البحث المنطقى فى برد اليقين الصوفى. هو الرجل الذى قرأ آيات الله فى الكتب، ثم أبصر أنوارها فى مرايا القلوب، فأراد أن يمد جسراً آمناً يعبر فوقه الفقيه إلى لوعة الوجد، وينزل من خلاله الصوفى إلى رصانة الحكم.

قامت الرسالة القشيرية على منهجٍ رصين، اتسم بوضوح الرؤية وتجريد القصد. لقد أراد الإمام أن يبرهن للدنيا أن سادات الصوفية الأوائل، كالجُنيد والمحاسبى والكرخى، لم يخرجوا قيد أنملة عن المحجة البيضاء، فكان يصدّر كل مقامٍ بآياتٍ من الذكر الحكيم وأحاديث من السنة النبوية، وكأنه ينسج ثوب التصوف من خيوط الوحى ذاتها.

حين يشرع «القشيرى» فى تبيان المقامات، من التوبة والإنابة إلى الرضا والتسليم، فإنه يفعل ذلك بنَفَسٍ يجمع بين دقة الطبيب ورقة الحبيب. فهو لا يتحدث عن «المقام» كدرجةٍ جافة فى سلمٍ إدارى، بل يصفه كمنزلٍ روحى يحل فيه السالك بصدق افتقاره. وفى حديثه عن «الأحوال»، ينساب قلم القشيرى ليوضح الفرق بين ما يكتسبه العبد بجهده وبين ما يفيض عليه من ربه، مؤكداً أن العطاء الإلهى لا يتنزل إلا على قلبٍ صقله أدب السلوك. أما المصطلحات الصوفية، من «الفناء» و«البقاء» و«الوقت» و«الصحو» و«السكر»، فقد هذّبها «القشيرى» ونزع عنها غبار الغموض، ليجعلها مفهومة فى سياق التجربة الروحية المنضبطة، معتبراً أن غاية هذه المصطلحات هى التعبير عن لحظات القرب التى يضيق عنها اتساع العبارة، لكنها لا تخرج أبداً عن مقتضى العقل والنقل.


مواضيع متعلقة