محمد مسعود يكتب: لماذا يتعاطف المصريون مع «نرجس»؟!

كتب: محرر

محمد مسعود يكتب: لماذا يتعاطف المصريون مع «نرجس»؟!

محمد مسعود يكتب: لماذا يتعاطف المصريون مع «نرجس»؟!

بخطوات ثقيلة، ربما يائسة، وشكوك كبيرة حول ما سيلقاه بعد قليل، زفر زفرة ساخنة، قائلا: «ليتني أطعته»، هو الآن في أشد مراحل الندم، ويريد أن يكفر عن ذنبه، يريد أن يخرج من المعصية إلى الإيمان، يريد أن يتوب، ويدخل متعبدا في أحد الأديان، ليت أحدهم يقبله، ليت بابا الفاتيكان الذي أوشك أن يقابله أن يضمه إلى حظيرة الإيمان.

عرفه البابا منذ أن وقعت عينه عليه.. هو بنفسه، متجسدا في صورة إنسان، سأله عما يريد.. أجاب «التوبة»، لفظ البابا هامسا: «كيف أيها اللعين؟»، رد قائلا: «إنني لم أعد أستحق هذا الوصف»، مؤكدا أن لكل شيء نهاية، وقد آن أوان نهاية المعصية، والتوبة، والكف عن الإصرار والعناد.. خذوا مني ما تريدون، أذيقوني أصناف العذاب، لكن لا تحرموني مذاق الخير لحظة، مر الكثير من الوقت، كبرت، وكابرت، وتكبرت، وصمدت، وصبرت، إن لي مُلكا عظيما، لكن ما جدوى مُلكي وأنا أشعر بالنقص، كل ما أطمح أن أكون واحدا من بين هؤلاء المؤمنين الخيرين، جئتك اليوم راكعا لتعمدني بيديك، وتدخلني في الدين، وستجدني من خيرة أبناء الكنيسة.

وقع البابا في حيرة من أمره، لكنه لا يستطيع (إن إبليس هو محور الكتاب المقدس بعهده القديم والجديد، وما معنى يوم الحساب إذا مُحي الشر من الأرض.. إن الكنيسة ترفض طلبك إذهب إذا شئت إلي دين آخر).. وولاه ظهره، فخرج من الفاتيكان ذليلا حزينا، لكن إذا كان باب الفاتيكان قد أغلق في وجهه، فإن أبواب الله كثيرة، عليه أن يطرق بابا آخر، وعلي ذلك قرر أن يذهب إلي حاخام اليهود.

استمع الحاخام إليه، وإلي دوافعه، استمع إليه بجهد وصبر، قبل أن يبادره: «أتريد أن تكون يهوديا؟»، فرد: «أريد أن أصل إلى الله»، تأمله الحاخام مليا، وفي قراره نفسه تدور أسئلة: «إذا عفي الله عن إبليس ومُحى الشر من الأرض.. فلم التمييز بين شعب وشعب، لن نكون الشعب المختار، سينتهي الامتياز عن بقية الأجناس، حتى السيطرة المالية التي صارت إليهم بعد أجيال ستذهب، بذهاب الشر عن النفوس، وزوال الطمع وموت الجشع، إن إيمان إبليس سيدك صرح التفوق اليهودي، ويهدم مجد بني إسرائيل، وبناء على ما فكر فيه، أخبره الحاخام بالنتيجة، اذهب عنا إلى دين آخر.

لم يعد أمام إبليس سوي اللجوء إلي شيخ الأزهر، بعد أن رفضه البابا، وصد الحاخام باب التوبة في وجهه، ذهب إليه عله يجد عنده مفتاح التوبة الذي يمكنه من الدخول والمثول إلي الله جل جلاله، اجتهد الشيطان في شرح أسبابه، وأسهب في كلامه، وصغي إليه شيخ الأزهر قبل أن يقول: «إيمان الشيطان عمل طيب.. ولكن»، قاطعه الشيطان، ألم يقل الله في كتابه: «فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا».

تأمل شيخ الأزهر العواقب «لو أسلم الشيطان، فكيف يتلى القرآن، هل يمضي الناس في قولهم «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، ثم أخبره شيخ الأزهر بالنتيجة: «إنك جئتني في أمر لا قبل لي به، هذا شيء فوق سلطتي، وأعلى من شأني»، فشكره إبليس وانصرف، وخرج وقد ملأ اليأس صدره، ومشى في طرقات الأرض على غير هدى، وصاح صيحة ألم بددت السحب، ونفذت إلي السماء، ولم يطق صبرا، وتجرأ وصعد إلى الأعالي، ودق أبواب السماء، فرفض استقباله، فترك السماء مذعنا، وهبط إلى الأرض مستسلما صارخا.. إني شهيد!.

السطور السابقة من قصة كتبها الأديب الكبير الراحل توفيق الحكيم ضمن مجموعته القصصية «أرني الله» التي صدرت عام 1953 عن مكتبة مصر، لعلك بعد كتابة هذه السطور، تتساءل في شيء من الحيرة لماذا لم تقبل توبة إبليس، وربما تجد نفسك متلبسا بالتعاطف معه مثلما يتعاطف المصريون مع «نرجس» الشخصية الحقيقية التي قدمتها ريهام عبدالغفور في مسلسلها الرائع «حكاية نرجس».

مسألة التعاطف مع نرجس شغلتني، لما يتعاطف معها المصريون.. فالشيطان في قصة توفيق الحكيم أراد التوبة، بينما «نرجس»، لم تطلبها، ولم تسع إليها!.