وبكرة جايب نهار
يسكننى أمل شفاف كأنه ماء نقى فى إناء الروح ويباغتنى طموح حاد كوميض حدس لا يخطئ طريقه.. يغازلنى صباح قادم بضوء شمس لا يكتفى بالإشراق بل يمارس فعل الكشف كأنه تجلٍّ صغير من النور وبستان يفيض بالألوان حتى لتبدو الورود فيه وكأنها مقاطع شعر مكتوبة بلغة الجمال الخالص.
هكذا تطرح الدراما المصرية هذا العام أملاً لا ينتمى إلى المبالغة بل إلى الاستحقاق، وطموحاً مشيداً على منطق حقيقى حيث المقدمات الصلبة لا بد أن تثمر نتائج تشبهها فى النبل والوضوح.
ما شهدناه لم يكن مجرد موسم ناجح بل بدا كوثيقة تثبت أن الدراما ما زالت كائناً حياً قادراً على إعادة تعريف ذاته.. نعم كان هذا هو عام الحسم الدرامى كما سبق وذكرت مراراً وتكراراً، نعم كان عنق الزجاجة واختبار بقاء عام الانتقال من السيولة إلى التبلور من الاحتمال إلى الضرورة.. عام المكاشفة الفنية التى لا ينجو فيها إلا من امتلك أسباب الحياة وقد اجتازت الشركة المتحدة هذا الامتحان لا بسلام فقط بل بجدارة تؤسس لمستقبل لا يقوم على المصادفة بل على التصميم الواعى
نعم، عثرت «المتحدة» على شفرة الدراما المصرية لا باعتبارها معادلة إنتاجية فحسب بل باعتبارها روحاً حضارية ضلّت طريقها ثم عادت إلى بيتها الأول أعادت البوصلة إلى «دولة الدراما» تلك الجمهورية المتخيلة التى يحكمها الخيال المنضبط بالمعرفة حيث تتصالح المتعة مع المعنى والشكل مع الجوهر والفرجة مع الوعى.. نحن أهل للدراما لأننا أهل الحكاية أصلاً لأن السرد يسكن لغتنا كما يسكن النيل جغرافيتنا.. ربما تعثر الطريق لحظة لكن الذاكرة الثقافية سرعان ما استعادت توازنها فعادت الريادة لا كحنين للماضى بل كقدرة على ابتكار مفاهيم جديدة تجاور الحداثة دون أن تفقد جذورها.
كان الشك حاضراً نعم لكنه كان شكاً معرفياً لا عدمياً.. شكاً يبحث عن يقين أكثر صلابة.. وهذا العام تحول ذلك الشك إلى يقين باسم ومزهر.. يقين يشبه شجرة خرجت من صخر التجربة لا من تربة الأمنيات.. عملت «المتحدة» باستراتيجية تكاد تُدرَّس بوصفها مثالاً على «جماليات التخطيط» استراتيجية تبحر فى بحار متباينة بثقة ربان يمتلك حدس الملاحين القدماء وبمراكب صلبة منسوجة من خبرة تراكمية لا من حماس عابر.. لقد أعادت تشكيل الشاشة لا بصرياً فقط بل إدراكياً كأنها نقلتنا من مشاهدة سطحية إلى رؤية تأويلية ومن ينكر عليه استشارة أقرب طبيب نظر أو تغيير نظارة رؤيته التى تحجب الكثير من الحقيقة.
انفجر الموسم بقنابل فنية لم تصب الأذن بالضجيج بل أصابت الوعى بالدهشة، فكان «صحاب الأرض» عملاً ذا أفقٍ كونى، صنع بوعى محلى ناضج لوحة درامية أقرب إلى ملحمة بصرية تتعانق فيها الصورة مع الأخلاق والحدث مع الذاكرة.. حوّل الألم الواقعى إلى سرد يوقظ الضمير حتى بدا كأن الحقيقة نفسها خرجت من صمتها لتتكلم بلسان الفن.. العمل العالمى الذى صُنع بأيادٍ مصرية خالصة وبوعى عالمى كبير بإدارة المخرج الاستثنائى بيتر ميمى الذى رسم لوحة متكاملة الملامح والتفاصيل بداية بالصورة المبهرة والأداء الراقى وليس انتهاء بالديكورات التى حوّلت الخبر فى غزة إلى دراما توقظ كراهية مغتصبى الأرض الذين ثارت ثورتهم ووجعتهم الحقيقة فهاجوا وغضبوا كما كان متوقعاً.. وإذا غضب هؤلاء اعلم أنك أوجعتهم واعلم أنك وصلت بالصدق إلى أقرب نقاط الضعف لديهم، غضب مغتصبو الأرض وهاجوا كما يهيج من يُسحَب منه قناع الزيف فالفن حين يبلغ ذروة الصدق يتحول إلى فعل مقاومة جمالية وإلى مرآة كاشفة لا تجامل أحداً.
ثم توالت الأعمال كأنها سيمفونية متعددة الحركات «رأس الأفعى» بدراما محكمة تشتغل على توتر محسوب عن رأس الأفعى الذى سقط أمام دراما واعية أطارت هى الأخرى النوم من أعين الجماعة وذيولها ثم كان هناك «توابع» العمل الملحمى الذى صعد بنجمته ريهام حجاج إلى ما تستحقه، و«حد أقصى» الذى اخترق جدار الصمت فى قضية شائكة بمخرجة تقدم عملها الأول فقط هى مايا زكى ومن بطولة نجمة كبيرة تقدم خبراتها ومسيرتها فى عمل يليق بها هى روجينا، وكانت الحياة قاسية فى «عين سحرية» لكن عظمة صناعه وأداء باسم سمرة وعصام عمر جعلها أقرب إلى ملحمة تنتظر تفاصيلها وأحداثها كل يوم، ثم «اتنين غيرنا» الذى أعاد الحب إلى مكانته بوصفه قيمة وجودية لا مجرد حيلة درامية حيث صار العاطفى عقلانياً والرومانسى واقعياً بمهارة مؤلفته رنا أبوالريش ومخرجه خالد الحلفاوى وأداء ولا أروع من دينا الشربينى وآسر ياسين.
وانتصاراً للإنسان العادى جاء «كان يا ما كان» ليؤكد أن البطولة قد تكون صامتة وأن الأثر العميق لا يحتاج إلى صخب تصدى له فريق عمل يقوده كريم العدل بكتابة شيرين دياب وأداء الكبير ماجد الكدوانى الذى يثبت أنه كالشمس والهواء فى الدراما المصرية، واقتربنا من الحقيقة أكثر مع «مناعة» حيث توهج الأداء لدى هند صبرى كأنه طاقة داخلية تبحث عن منفذ، بينما فتح «النص التانى» أبواب البهجة بوصف الضحك علاجاً وجودياً ضد العدم، وفى «فرصة أخيرة» بدت المواجهة كمبارزة بين خبرتين لا بين شخصين مع محمود حميدة وطارق لطفى، أما «حكاية نرجس» فقد صنعت حالة جدلية آسرة ومنحتنا حضوراً لنجمة بحجم الكون هى ريهام عبدالغفور، وحمزة العيلى السهم المنطلق بكل ثبات ليصل للهدف من أقرب نقطة، والعودة المختلفة ليوسف الشريف التى قرّبته أكثر للشارع الذى ظل لفترات طويلة حائراً بين «على كلاى، ودرش» من جهة و«فن الحرب» من جهة أخرى، والفرصة التى ربما يبنى عليها مستقبلاً التى أعطتها الشركة للثنائى سلمى أبوضيف فى «عرض وطلب» التى تغزل بحكاية شائكة ثوباً من الثقة، وجومانا مراد فى «اللون الأزرق» الذى مسّ جرحاً وتمكن من حجز مكان فى مساحة الاحترام عند الجماهير.. وفى نفس الوقت قدمت الشركة الثنائى أحمد رمزى وأحمد بحر فى عملين يمكن أن يبنيا عليهما مستقبلاً.
إن هذا الموسم فى جوهره لم يكن تراكماً كمياً للأعمال بل كثافة نوعية تشبه ولادة كوكبة جديدة فى سماء الدراما لقد شهدنا بزوغ مخرجين وكتاب كأنهم ينابيع فتحت فى مجرى النهر لتمنحه طزاجة إضافية دون أن تغير اتجاهه.. أسماء أثبتت أن الجدية ليست نقيض المتعة وأن العمق ليس عدواً للجماهيرية بل شرطها الخفى.. شهادة نجاح للحاضر ووثيقة مهمة للمستقبل بمولد مخرجين مثل سامح علاء الذى كسبته الدراما المصرية والذى أعاد الاعتبار لأهمية العمل الجاد ومعه مايا زكى وعمرو موسى وأحمد عادل سلامة مكاسب حقيقية للدراما، وعمار صبرى فى الكتابة الذى يشع فى كل ما يقدمه باختلاف وتنوع، ورنا أبوالريش وهشام هلال ومريم نعوم.
ولهذا فإن بكرة كما أنشد محمد منير «جايب نهار» لكنه نهار يتجاوز المعنى الزمنى ليصبح حالة وجودية.. نهار يعبر المستحيل بثبات يقترب من اكتمال الإبداع دون ادعاء.. يلامس أوجاع الناس بوصفها مادة للشفاء لا للاستثمار يوقظ الهوية دون أن يحولها إلى شعار ويدعم الوعى باعتباره أجمل ثمار الفن حين يتصالح مع رسالته الأساسية إنه نهار يشبه وعداً قديماً استيقظ من سباته..
ووعد الفن حين يكون صادقاً لا يشيخ ولا يخلف موعده.