تنفيذا لتوجيهات القيادة السياسية.. مصر تنجح في توطين صناعة الوقود الصاروخي والديناميت والبارود بخبرة عالمية
تنفيذا لتوجيهات القيادة السياسية.. مصر تنجح في توطين صناعة الوقود الصاروخي والديناميت والبارود بخبرة عالمية
بين صمت المعامل، وحسابات كيميائية معقدة، ودقة تصنيع تُحسب بالميكرون، تُصاغ في قلب منطقة «أبوزعبل» معادلة مصر الصعبة؛ فداخل شركة أبوزعبل للكيماويات المتخصصة (مصنع 18 الحربي)، تلتقي «كيمياء الحرب» بـ«أدوات السلم» في عناق استراتيجي فريد؛ فبينما تُصاغ في قطاع المواد الدافعة والبارود أنواع من «الوقود الصاروخي» الذي يضمن لمصر سماءً آمنة، يخرج من القطاع المجاور «الديناميت» و«مفرقعات الأنفو»، التي تُفتت صخور الجبال لتمهيد الطرق القومية الكبرى، وتفتح آفاق التعدين في باطن الأرض.
إنها تجربة مصرية خالصة نجح فيها أبناء «مصنع 18 الحربي» في كسر حاجز الزمن وتطويع التكنولوجيات العالمية، ألمانية كانت أو صينية، ليصهروا مهاراتهم وخبراتهم داخل منشآت صناعية تخدم الدولة المصرية في المجالين العسكري والتنمية الشاملة للدولة المصرية.
هنا، يُدرك الجميع أن الخطأ ليس مجرد هدر للمال، بل هو مساس بأمن قومي يُبنى بتركيز لا ينام؛ لتتحول الشركة من مجرد منشأة صناعية إلى قلب نابض يضخ الدماء في عروق الاقتصاد المصري، معلنة بوضوح، أن مَن يملك مفاتيح الكيمياء، يملك زمام القوة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.



في هذا الصرح الذي لا يهدأ، حيث تتشابك خطوط الإنتاج لتشكل مجمعين صناعيين عملاقين يضمان تحت لوائهما 32 مصنعاً متكاملاً، تبرز شركة أبوزعبل للكيماويات المتخصصة ليس فقط كمنشأة إنتاجية، بل كحجر زاوية في الأمن القومي المصري، وهذه الأهمية الاستراتيجية لم تكن مجرد شعارات، بل كانت المشهد الأول الذي استوقف الدكتور صلاح جمبلاط، وزير الدولة للإنتاج الحربي، ليكون مصنع 18 الحربي، أول مصنع يتفقده بعد تكليفه بمنصبه الوزاري خلال شهر فبراير الماضي، وهو المصنع الذي تولى رئاسته في وقت سابق.
لم تكن زيارة الوزير مجرد تفقد بروتوكولي، بل كانت شهادة ميلاد جديدة لثقة الدولة في سواعد أبنائها؛ إذ وصف وزير الدولة للإنتاج الحربي ما يشهده المصنع يومياً من ملحمة إنتاجية وصناعية بأنه «تجربة فريدة من نوعها»؛ ففي ممرات «مصنع 18 الحربي»، استطاع «مقاتلو الإنتاج» كسر حاجز الزمن، وتحدي المستحيل الفني واللوجيستي، عبر تشغيل كافة الخطوط بكفاءة قصوى وقدرة تشغيلية مذهلة، وضعت الجودة كمعيار أوحد لا يقبل المساومة.
وحسبما ذكر وزير الدولة للإنتاج الحربي، في تصريحاته لـ«الوطن»؛ فإن الالتزام الصارم بتسليم المنتجات في توقيتاتها المحددة وبأعلى المواصفات العالمية، قد دفع بالشركة لتتبوأ مكانتها المستحقة في مصاف الشركات العالمية الكبرى، متجاوزة بذلك النطاق المحلي والإقليمي.
ولم يتوقف طموح الوزارة عند حدود التشغيل، بل رسم الوزير خارطة طريق واضحة المعالم مستمدة من «رؤية القيادة السياسية»، وهي الرؤية التي تتمحور حول تحويل قطاع الإنتاج الحربي إلى قاطرة للتنمية الاقتصادية والأمن القومي معاً، ليؤكد الوزير بلهجة الواثق أنه ماضٍ في تنفيذ خطط مؤسسية لا تعترف بالعشوائية لاستمرار التطوير والتحديث في مصنع 18 الحربي، من خلال مستهدفات دقيقة وإجراءات تنفيذية محكومة بمدد زمنية صارمة، مع توفير التمويل اللازم الذي يضمن استدامة النجاح.
هذا الفكر الإداري المتطور لا يكتفي بالإنتاج فحسب، بل يضع «مؤشرات قياس الأداء» كمرآة كاشفة لكل خطوة، لتخضع جميع العمليات للمتابعة والتقييم المستمر، ما يضمن أن تظل وتيرة العمل داخل «أبوزعبل» في تصاعد مستمر، بما يخدم تطلعات الدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز القدرات التنافسية.
وعند الحديث عن العمق التقني لتلك المنشأة الصناعية الكبرى، فإن شركة أبوزعبل للكيماويات تقدم نموذجاً مبهراً في «دبلوماسية التصنيع»، حيث أشار وزير الدولة للإنتاج الحربي بزهو إلى التنوع الهائل في تكنولوجيات التصنيع التي تحتضنها جدران الشركة، وهنا تذوب الفوارق بين الشرق والغرب؛ حيث تجتمع التكنولوجيات الألمانية، السويسرية، الأمريكية، الإيطالية، والفرنسية، جنباً إلى جنب مع الخبرات السويدية، والكورية الجنوبية، والصينية، والسلوفاكية.
هذا المزيج العالمي من الخبرات العابرة للقارات تم صهره بعناية فائقة وتطويعه لخدمة «الاحتياجات المصرية الخالصة»، لتلبية كافة متطلبات القوات المسلحة بأيادٍ وطنية؛ فمن قطاع المواد الدافعة للذخائر الذي ينتج (البارود) بكافة أصنافه: من الأحادي، والثنائي، والثلاثي، وصولاً إلى البارود الكروي والخراطيش الاحتراقية، لتُثبت الشركة، كما يقول الوزير لـ«الوطن» أنها أحد الأرقام الصعبة في معادلة التسليح المصرية، والتي لا يتوقف الأمر عند الذخائر التقليدية، بل يمتد إلى تصنيع المحركات الصاروخية المعقدة، التي تعد قمة الهرم في الصناعات الدفاعية، لتؤكد «أبوزعبل» أنها الحارس الأمين لسر القوة المصرية.
وفي قلب هذا الحراك الصناعي، يكشف المهندس محمد البدوي، رئيس مجلس إدارة شركة أبوزعبل للكيماويات المتخصصة، عن الفلسفة التي تُدار بها «المعادلة الصعبة» داخل المصنع؛ حيث يؤكد أن التطوير المستمر لخطوط الإنتاج ورفع كفاءة التشغيل يسيران جنباً إلى جنب مع رقابة يومية صارمة.
وحسبما ذكر المهندس محمد البدوي لـ«الوطن»؛ فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في غزارة الإنتاج، بل في تحقيق التوازن الدقيق بين «سرعة الإنجاز» و«أقصى درجات الأمان»؛ ففي بيئة تتعامل مع الكيمياء والمفرقعات، يظل العنصر البشري هو الركيزة التي لا تقبل المخاطرة.
ويوضح رئيس مصنع 18 الحربي أن كل ذرة إنتاج تخرج من المصنع هي «رسالة دعم» لقدرات الدولة المصرية، مؤكداً أن الرؤية الحالية تتجاوز التصنيع التقليدي إلى «تعميق التصنيع المحلي»، عبر إنتاج الخامات ومستلزمات الإنتاج ذاتياً، وهي الخطوة التي وصفها بأنها «حائط صد» لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط عن العملة الأجنبية.
ولم تكن الأرقام وحدها هي بطلة المشهد، بل الإنسان؛ حيث يشدد رئيس مجلس إدارة مصنع 18 الحربي على أن نجاح الشركة يستند إلى تناغم فريد بين قطاعاتها المختلفة، مشيراً إلى أن الشركة لا تكتفي بتشغيل الماكينات، بل تصقل عقول الكوادر من مهندسين وكيميائيين عبر برامج تدريبية تواكب أحدث النظم العالمية.
وفي لفتة تعكس فكر الإدارة الحديثة، أكد «البدوي» على تمكين الشباب وفتح أبواب القيادة أمامهم، إيماناً بقدرتهم على الابتكار، واضعاً «الكفاءة والجدارة» كمسطرة وحيدة للترقي، مختتماً حديثه بربط الإنتاج بالسيادة، قائلاً: «إن ما ننجزه هنا ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو تعزيز لمنظومة الأمن القومي، فالدولة التي تصنع احتياجاتها الاستراتيجية بيديها، هي دولة تملك قرارها وتواجه تحدياتها بثبات».
وعلى الجانب الفني والتقني، فصّل المهندس عماد هارون، نائب رئيس مجلس إدارة الشركة، الدور الحيوي الذي تلعبه الشركة كشريك استراتيجي في نهضة مصر العمرانية، موضحاً أن الشركة هي المصدر الرئيسي لمواد (الديناميت، T.N.T، المفرقعات المستحلبة، ومفرقع الأنفو)؛ وهي المواد التي لا تُستخدم للهدم، بل للبناء عبر تنفيذ عمليات التفجير لشق الطرق القومية، وتفتيت الصخور لصالح شركات الأسمنت، وخدمات التعدين، وحتى العمليات المعقدة للتفجير تحت الماء.
ولم يتوقف عطاء الشركة عند المتفجرات، بل امتد لإنتاج كلورات الصوديوم، ذلك المنتج الوسيط الذي يدخل كعنصر جوهري في العديد من الصناعات المدنية، ليثبت «مصنع 18» مرة أخرى أنه القلعة التي تصهر التكنولوجيا لتطويع الطبيعة القاسية وتحويلها إلى شرايين حياة، سواء كانت طرقاً، أو مناجم، أو مصانع تخدم مستقبل الاقتصاد المصري.
وفي ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة التي تعصف بسلاسل الإمداد العالمية وتفرض واقعاً اقتصادياً معقداً، لم تقف وزارة الإنتاج الحربي موقف المتفرج، بل تبنت رؤية استباقية تمثلت في التوسع الاستراتيجي في إنتاج مادة «النيتروسليلوز»؛ فهذه المادة ليست مجرد مركب كيميائي عابر، بل هي العصب الحيوي والركيزة الأساسية التي لا تقوم للكثير من الصناعات قائمة من دونها.
ويوضح مسئولو مصنع 18 الحربي أن السعي المصري لتحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه المادة يأتي كخطوة دفاعية وتنموية في آن واحد، فهي المكون الرئيسي في تصنيع المادة الدافعة المستخدمة في كافة أنواع الذخائر والوقود الصاروخي، مما يعني تأمين «قرار التصنيع العسكري» بعيداً عن تقلبات الاستيراد.
وعلى الصعيد المدني، تبرز أهمية النيتروسليلوز كعنصر جوهري في صناعة الطلاءات المتخصصة، والأحبار الصناعية، والمواد المتفجرة التي تعتمد عليها مصر حالياً في نهضتها العمرانية، سواء في أعمال التعدين أو شق الأنفاق ومشاريع البنية التحتية العملاقة.
داخل ممرات قطاع إنتاج البارود بشركة أبوزعبل للكيماويات المتخصصة (مصنع 18 الحربي)، حيث تُحسب الخطوات بميزان الذهب، يبرز الكيميائي مصطفى ممدوح زين كنموذج للجيل الجديد الذي يصيغ مستقبل القلعة الصناعية.
ويصف «زين» طبيعة العمل في هذا القطاع بأنها «شديدة الحساسية»؛ حيث تخضع كل مرحلة إنتاجية لضوابط دقيقة ومعايير أمان مشددة لا تقبل التهاون.
ويشير «زين» إلى أن انضباط العاملين في قطاع البارود نابع من إدراكهم لحجم المسئولية الوطنية؛ فخروج منتج مطابق للمواصفات الفنية العالمية هو عهد يقطعه الجميع على أنفسهم، كما استعرض تجربته الشخصية التي تعكس سياسة تدوير الخبرات التي تنتهجها الشركة؛ فبعد عمله في قطاع الجودة، ثم منحه الفرصة الذهبية للعمل كمساعد لرئيس مجلس الإدارة لمدة ثلاث سنوات، انتقل لقطاع البارود محملاً بخبرة إدارية وفنية شاملة.
ويؤكد «زين» أن «روح الفريق الواحد» والتمكين الحقيقي للشباب هما الدافعان الأساسيان لزيادة معدلات الإنتاج والوصول للطاقة القصوى، بما يضمن الوفاء بعقود التصدير ورفع راية الصناعة المصرية دولياً.
وبعيداً عن قطاع البارود، يبرز إنجاز استراتيجي آخر يضع شركة «أبوزعبل» في منطقة منفردة على مستوى الجمهورية؛ وهو مصنع تركيز حامض النيتريك والكبريتيك؛ فهذا المصنع ليس مجرد وحدة إنتاجية، بل هو العقل الكيميائي الذي يغذي شرايين الصناعة الدفاعية والمدنية في مصر.
وتكمن الأهمية القصوى لهذا الصرح في قدرته الإنتاجية الفائقة؛ حيث استطاعت السواعد المصرية رفع كفاءته للإنتاج، من حامض النيتريك بتركيز يصل إلى 98% (الوحيد من نوعه في مصر بهذا التركيز)، وحامض الكبريتيك بتركيز يبلغ 96%.
هذه النسب المرتفعة من التركيز هي «المفتاح السري» لتصنيع المواد الدافعة للذخائر، والوقود الصاروخي المعقد، والمفرقعات الصناعية، حسبما يذكر مسئولو مصنع 18 الحربي، فبإعادة تشغيل هذا المصنع بكفاءة قصوى، قطعت مصر شوطاً كبيراً نحو «الاستقلال الكيميائي»، مقللة الاعتماد على الاستيراد، ومؤمّنةً احتياجات السوق المحلية من مواد استراتيجية تدخل في صلب الأمن القومي.
ويمثل تطوير وإعادة تشغيل مصنع تركيز حامض النيتريك والكبريتيك داخل شركة أبوزعبل إنجازاً استراتيجياً غير مسبوق في تاريخ الصناعات الكيماوية المصرية. هذا المصنع ليس مجرد وحدة إنتاجية مضافة، بل هو حجر الزاوية في دعم استقلالية الدولة الصناعية، كونه المصنع الوحيد على مستوى الجمهورية القادر على إنتاج هذه الأحماض بمواصفات عالمية وتخصصية دقيقة.
وتتجلى عظمة هذا الصرح في قدرته على إنتاج حامض النيتريك بتركيز فائق يصل إلى 98%، وحامض الكبريتيك بتركيز استراتيجي يبلغ 96%؛ فهذه الأحماض هي «المواد الأم» التي تضخ الحياة في مفاصل الشركة؛ حيث تدخل مباشرة في تصنيع المواد الدافعة لمختلف أنواع الذخائر، والوقود الصاروخي، والمفرقعات الصناعية.
وبفضل طاقته الإنتاجية الكبيرة، استطاع المصنع تلبية احتياجات السوق المحلية وتقليل الفجوة الاستيرادية، مما وفر على الدولة مبالغ طائلة من العملة الصعبة وعزز من قدرات الصناعات الدفاعية المصرية.
وفي جبهة أخرى لا تقل أهمية، يطل علينا المهندس محمود سامي ياسين، مهندس الإنتاج بقطاع المفرقعات، ليروي قصة أخرى من قصص الالتزام داخل المصنع، ليؤكد أن هذا القطاع يمثل أحد الشرايين الحيوية للشركة، نظراً لمساهمته المباشرة في تأمين احتياجات الدولة من المنتجات العسكرية الاستراتيجية.
وتتركز مهام «ياسين» في الإشراف الميداني الصارم لضمان تنفيذ العمليات الإنتاجية وفق أعلى معايير الجودة والسلامة المهنية، خاصة في ظل التعامل مع مواد شديدة الحساسية، مشيراً إلى أن الفلسفة الإنتاجية التي يتبعها تهدف إلى تحقيق أقصى كفاءة تشغيلية مع تصفير الفاقد، وهو ما يصب في مصلحة الأهداف الاستراتيجية للشركة.
وعبر المهندس الشاب عن فخره بالانتماء لهذا الصرح، مشيراً إلى أن تنقُّله بين عدة قطاعات عمل، بالإضافة إلى فترة عمله كمساعد لرئيس مجلس الإدارة، منحه رؤية بانورامية مكَّنته من فهم التكامل بين الشقين العسكري والمدني، مختتماً حديثه بالتأكيد أن الانضباط والروح الجماعية هما السر وراء قدرة كوادر الشركة على التكيف مع كافة بيئات التشغيل المعقدة، والعمل الدؤوب لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الأمن القومي.
ولا تتوقف ريادة شركة أبوزعبل للكيماويات المتخصصة (مصنع 18 الحربي) عند حدود الإنتاج الكمي، بل تمتد لتشمل امتلاك ترسانة هندسية متطورة تجمع بين الميكانيكا، الكهرباء، الكيمياء، والأجهزة الدقيقة؛ فهذه المنظومة المتكاملة مدعومة بورش صيانة متخصصة وقدرات تكنولوجية تتيح إجراء أدق التحاليل والاختبارات الكيميائية، والفيزيائية، والميكانيكية، بالإضافة إلى تقنيات التصوير الدقيقة، لضمان سلامة كل ذرة من الخامات المستخدمة وصولاً إلى المنتج النهائي.
وفي زاوية فريدة من نوعها، تبرز قاعدة الاختبارات الباليستيكية كأحد أهم المفاصل الاستراتيجية بالشركة، حيث تُجرى بداخلها الاختبارات الاستاتيكية لكافة أنواع الوقود الصاروخي الذي تنتجه الشركة لصالح أفرع وإدارات القوات المسلحة.
ولا يتوقف الدور عند التصنيع الجديد فحسب، بل يمتد ليشمل بحوث إطالة أعمار الصواريخ المتقادمة، وهو ملف يمس صميم الأمن القومي المصري، ويحتاج إلى تركيز ذهني وانضباط حديدي، حيث يتم التعامل بحزم مع آليات السلامة والصحة المهنية لضمان صفر أخطاء في بيئة عمل ذات طبيعة خاصة جداً.
إن هذا الانضباط التقني لم يكن ليُثمر دون نظام إدارة محكم، وهو ما تُوج بحصول الشركة على أرفع شهادات الجودة العالمية (ISO)؛ فقد نجح مصنع 18 الحربي في تطويع عملياته الإنتاجية لتتوافق مع معايير ISO 9001 للجودة، وISO 14001 للبيئة، وصولاً إلى ISO 45001 الصارمة في مجالات السلامة والصحة المهنية، فهذه الشهادات ليست مجرد لوحات تُعلق، بل هي دستور عمل يومي يضمن استدامة التفوق التنافسي للشركة محلياً ودولياً.
وفي مشهد يعكس قوة المرأة المصرية في المواقع القيادية الصعبة، تبرز المهندسة نجلاء محمد فتحي حجازي، المشرف على قطاع الصيانة ومدير عام الصيانة الميكانيكية، لتقدم شرحاً تفصيلياً لعصب الحياة داخل المصنع، ليقود قطاعها ملحمة يومية لصيانة وتشغيل (21) خط إنتاج، عبر إدارتين عملاقتين للصيانة الميكانيكية والكهربائية.
ولا يقتصر دور قطاع الصيانة على الإصلاح، بل يمتد لإدارة بنية تحتية جبارة تشمل محطات إنتاج المياه، سواء المرشحة أو العكرة، وشبكات إمداد البخار والهواء، ومحطات التغذية الكهربائية، فضلاً عن ورش تصنيع قطع الغيار والخدمات المعاونة.
وبنبرة تملؤها الثقة، تستعرض المهندسة «نجلاء» قصص النجاح، التي تحققت بالجهود الذاتية، ومن أبرزها النجاح في تصنيع قطع غيار محلية بديلة للطلمبات المستوردة وتشغيلها بكفاءة، وإصلاح مفاعل الأثير، وهو الإنجاز الذي وقف أمامه الخبراء الخارجيون عاجزين، لتنجح سواعد أبناء «مصنع 18» في إصلاحه بخامات محلية وتجهيزات هندسية مبتكرة، وإعادة تأهيل وحدة تركيز الأحماض وإصلاح برج «البلنكي» بالجهود الذاتية تماماً.
وتؤكد المهندسة نجلاء حجازي أن العمل يسير وفق توجيهات وزير الدولة للإنتاج الحربي التي تركز على «الاستفادة القصوى من العنصر البشري»، وتوضح أن المنهج المتبع يعتمد على «المتابعة الفنية الميدانية» لتقليل هدر الوقت، وسرعة الاستجابة للأعطال، مع تفعيل منظومة مخازن ذكية للبحث الفوري عن قطع الغيار.
وتختتم «قائدة الصيانة» حديثها بعبارات مؤثرة تلخص شغف العمل في هذه القلعة: «أكثر ما يسعدني هو رؤية الماكينات تدور والمعدات تعمل بكفاءة دون توقف، فهذا الضجيج المنتج هو الموسيقى التي تعلن نجاح فريق العمل بالكامل، وتؤكد أننا نسابق الزمن لخدمة وطننا».
وفي زاوية تقنية شديدة التعقيد، تبرز بصمة التكنولوجيا الرقمية داخل القطاع الهندسي؛ حيث تقود المهندسة نسمة السيد البدوي، مدير عام الصيانة الكهربائية والأجهزة الدقيقة، فريقاً يعمل بمبدأ «الدقة المطلقة».
وتتحدث المهندسة نسمة بشغف يكسر جمود الآلات، موضحةً أن دورها يتجاوز مجرد إصلاح الأعطال إلى إدارة النظم السيادية للتشغيل، مثل أنظمة التحكم المنطقي المبرمج (PLC)، ونظم المراقبة والتحكم وتحصيل البيانات (SCADA)، وصولاً إلى أنظمة التحكم الموزعة (DCS)، وهي «الأدمغة الإلكترونية» التي تدير مفاصل الإنتاج في المصنع.
لا ينتظر فريق الصيانة الكهربائية وقوع العطل، بل يسبقه بخطوات؛ إذ تشير المهندسة نسمة إلى أن الاستراتيجية المتبعة تعتمد على التفكير الاستباقي عبر تطبيق مزيج احترافي من الصيانة الوقائية، والتنبؤية، والتصحيحية.
وتقول بنبرة فخر: «إن التعامل مع عطل مفاجئ وحله بسرعة ودقة فائقة يمنحنا شعوراً بالإنجاز؛ لأننا ندرك أن كل دقيقة عمل نوفرها تسهم في إطالة عمر المعدات وضمان سلامة زملائنا في المقام الأول.. إن هذا التنسيق المتناغم بين قطاعات المشتريات والإنتاج والجودة يضمن بقاء القلب الكهربائي للشركة نابضاً دون انقطاع».