وليد خيري يكتب: «برشامة».. كيف تحول كابوس الامتحان الأبدي إلى أذكى كوميديا مصرية؟
وليد خيري يكتب: «برشامة».. كيف تحول كابوس الامتحان الأبدي إلى أذكى كوميديا مصرية؟
طالما كانت القرية المصرية منجما خصبا للحكايات، لكن لعقود طويلة، تعاملت السينما والدراما مع الفلاح أو الشخصية الريفية إما بتنميط كاريكاتوري ساخر (الفلاح الساذج في المدينة)، أو بمثالية مفرطة تسلبه بشريته وعيوبه. اليوم، وبعد غياب طويل عن شاشة السينما نشهد انقلابا فنيا أعاد الريف إلى صدارة المشهد، ليس كديكور خلفي، بل كبطل رئيسي معقد. وتعتبر أعمال مثل فيلم برشامة، وفيلم السادة الأفاضل، ومسلسل بالطو ومسلسل ظلم المصطبة نماذج مثالية لهذا التحول الدرامي.
السر وراء هذه العودة القوية يكمن في التخلي عن استعلاء العاصمة. في الماضي، كانت الكوميديا تُبنى على جهل الريفي بمفردات الحداثة. أما الآن، في أعمال مثل «برشامة» وغيرها، أصبحت الحبكة تنبع من داخل المجتمع الريفي نفسه؛ بكل ما يحمله من تناقضات، وصراعات طبقية، وأعراف صارمة.
الدراما والكوميديا اليوم تناقش الشخصية الريفية بما لها وعليها؛ فهي تسلط الضوء على الكرم والشهامة، وفي الوقت ذاته لا تخجل من تشريح العيوب المجتمعية، مثل الفضول القاتل، والتدخل في شؤون الآخرين، والخوف المرضي من كلام الناس أو كما يُطلق عليه شعبيا «أقل عين عندنا في الأرياف»، حيث تتحول نظرة المجتمع (العين) إلى رقيب قاس يحرك أفعال الشخصيات، وهو ما يخلق مفارقات كوميدية ودرامية في غاية الجدية والتعقيد.
لا يمكن تحليل هذا التحول الفني بمعزل عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي. في السنوات الأخيرة، تصدرت فلوجات الحياة اليومية في الأرياف (الطبخ في الأفران الطينية، زراعة الأرض، يوميات العائلة الممتدة) نسب المشاهدة على منصات مثل يوتيوب وتيك توك وفيسبوك، وقد ساهم ذلك في كسر الصورة النمطية حيث اكتشف جمهور المدينة أن الريف المعاصر يمتلك ديناميكيات ذكية ومعقدة، وأن الفلاح اليوم متصل بالعالم، يمتلك هواتف ذكية، ويواكب العصر، لكنه ما زال محتفظا بقاموسه الخاص.
أيضا الحنين إلى الأصالة وسط زحام المدن وضغوط الحياة الاستهلاكية، وفرت هذه الفلوجات متنفسا للمشاهد المصري الذي يبحث عن البساطة، والدفء العائلي، والصدق غير المفتعل.
فرض الواقع على الشاشة: نجاح هذه الفلوجات الجماهيري أجبر صناع السينما والدراما على تغيير بوصلتهم. أدرك المنتجون أن الجمهور متعطش لهذه البيئة إذا قدمت بصدق، فجاءت أعمال مثل «برشامة» لتستثمر هذا النجاح المجتمعي في قالب سينمائي احترافي.
البيئة الريفية هي بيئة مغلقة ومفتوحة في ذات الوقت. الجميع يعرف الجميع، وتاريخ العائلات متشابك. هذا يخلق حالة من الضغط النفسي المستمر للحفاظ على الصورة الاجتماعية (البرستيج الريفي).
كوميديا فيلم برشامة والأعمال المشابهة تنبع من هذا الضغط تحديدا. الشخصيات لا تتصرف بحماقة من فراغ، بل تتصرف بدافع الخوف من الفضيحة، أو السعي لإثبات الذات أمام عيون أهل القرية. عندما يشاهد الجمهور هذه الصراعات، فإنه لا يضحك سخرية من الشخصيات، بل يضحك لأنه يرى انعكاسا لمخاوفه النفسية الخاصة في الرفض الاجتماعي، ولكن في إطار كوميدي آمن يخفف من حدة هذا التوتر النفسي.
نحن أمام مرحلة انتقالية في فلسفة الكوميديا المصرية. لسنوات، اعتمد المصريون على كوميديا الإفيه اللفظي المرتجل. اليوم، الفلسفة تغيرت نحو مسارين: كوميديا التورط؛ فالضحك لم يعد ينبع من نكتة تلقى، بل من المأزق الذي تتورط فيه الشخصيات. نحن نضحك من عبثية الموقف ومدى جديتهم في التعامل معه، وهو ما يفسر إنه فيلم كوميدي جدا نابع من شخصيات تأخذ أزماتها بمنتهى الجدية. فلسفة الضحك الجديد تقوم على الجدية المفرطة في العبث.
الشخصيات في «برشامة» لا تحاول إضحاكك، بل تأخذ مأزقها بمنتهى الجدية والصرامة، ومن هنا ينبع الضحك. لقد أدرك صناع الكوميديا الجدد أن المواطن المصري لم يعد يضحك من النكتة المباشرة، بل يضحك من التناقض الصارخ بين ما يجب أن يكون، وبين ما يحدث فعلا على أرض الواقع؛ يضحك لكي لا يبكي على تعقيدات يومه، ولتفكيك التابوهات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية والنفسية وإعادة تركيبها في صورة ساخرة. الضحك هنا ليس للهروب من الواقع، بل لمواجهته والتعايش معه.
ولعل التساؤل الأهم هنا: لماذا أحب الجمهور فيلم "برشامة" وتفاعل معه بهذا الشكل؟ الإجابة تكمن في تيمته الأساسية: «اجتياز الامتحان». في علم الدراما، تكافئ تيمة الامتحان التيمة الخالدة للنجاة ومحاولة البقاء على قيد الحياة، وهي الغريزة الأساسية الأولى للإنسان. اجتياز الاختبارات تحول في مجتمعاتنا إلى احتياج أساسي يرتبط بوجود الإنسان وقيمته؛ ولعل هذا يفسر لماذا لا نزال، حتى بعد مرور سنوات طويلة على إنهاء دراستنا، نستيقظ مذعورين من كابوس دخول امتحان ونحن غير مستعدين له. الفيلم يلعب على هذا الوتر النفسي الحساس ببراعة، محولا هذا الكابوس المشترك إلى ملهاة عبثية نضحك فيها على أعمق مخاوفنا.
وعلى مستوى الحبكة، يحسب للفيلم الذكاء الشديد في توزيع مساحات الضحك بين أبطاله، مبتعدا عن فخ النجم الأوحد الذي احتكر الكوميديا لسنوات. هنا تتجلى عبقرية النجم هشام ماجد، الذي أثبت مجددا أنه يمتلك وعيا فنيا نادرا؛ فهو لا يسعى للاستحواذ على الكاميرا، بل يسمح بمساحات متساوية من التألق لزملائه، مدركا أن الكوميديا الحقيقية تولد من التفاعل والتورط الجماعي، وأن الكادر يتسع للجميع، ليشمل صاروخ الكوميديا الجديد حاتم صلاح، والكوميديان التلقائي مصطفى غريب، وعارفة عبد الرسول مفاجأة الفيلم.
هذا التناغم لم يكن ليتحقق لولا وجود مايسترو متمرس رغم حداثة عهده، المخرج والمؤلف خالد دياب، الذي أثبت تميزا استثنائيا في عالم الكوميديا الجادة، فبصماته الناجحة تتحدث عن نفسها، سواء في السينما عبر أعمال مثل «عسل أسود» و«طلق صناعي»، أو في الدراما التلفزيونية من خلال النجاح الكاسح لمسلسل أشغال شقة.
يمتلك دياب قدرة فذة على خلق كوميديا تنبع من تفاصيل المجتمع الحقيقية. وتكتمل هذه اللوحة الفنية ببراعة كتاب السيناريو أحمد الزغبي وشيرين دياب، اللذين صاغا نصا ذكيا ومحكما، تحت مظلة المنتج أحمد الدسوقي، الذي يستحق إشادة خاصة لحرصه الدائم على انتقاء سيناريوهات قيّمة ومختلفة، ورهانه الدائم على جودة الفكرة.
عودة الفلاح إلى الشاشة ليست مجرد موجة فنية عابرة، بل هي إعادة اكتشاف للذات المصرية الجمعية، وتصالح مع جذورها، واعتراف صريح بأن أصدق أنواع الكوميديا هي تلك التي تخرج من رحم المعاناة والواقعيات اليومية البسيطة.
نجح فيلم برشامة في أن يضرب عصفورين بحجر واحد؛ فقد أثبت نجاحه التجاري الكاسح متصدرا شباك التذاكر في موسم شديد التنافسية، وفي الوقت ذاته، حجز لنفسه مكانة متقدمة كأحد الأعمال السينمائية النقدية الهامة التي توثق، بروح السخرية والمرح، واحدة من أكثر الفترات عبثية في حياة الإنسان في مصر وفي العالم.