ناصر سليمان يكتب: تناقضات الإخوان
ناصر سليمان يكتب: تناقضات الإخوان
إنّ المتابع لمسار التنظيمات الإسلامية في العالم الإسلامي والوطن العربي لا بدّ أن يتوقف عند نشأة هذه التنظيمات وكيفية ظهورها، والحاضنة الأولى التي خرجت منها مختلف حركات الإسلام السياسي، المعتدلة منها والمتطرفة. وقد لوحظ وجود ارتباطات بينها وبين بعض أجهزة الاستخبارات العالمية. ففي كتاب «مسجد في ميونخ» لآدم جونسون، يعرض كيف تلقفت المخابرات الأمريكية والبريطانية هذه الظاهرة من الأجهزة النازية، وكيف استُخدمت الخطابات الدينية في سياقات سياسية. ومن أبرز هذه التنظيمات جماعة الإخوان المسلمين.
تأسست جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا، وهو رجل دين مصري تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده. وكان الهدف الأساسي من إنشائها مواجهة المد الشيوعي والتيارات اليسارية في تلك الفترة. لذلك توجه حسن البنا إلى الإقطاعيين واستقطب أبناءهم تحت شعارات دينية ودنيوية، وهو ما انعكس على البنية التنظيمية للجماعة منذ تأسيسها، وساعدها على التغلغل داخل مؤسسات الدولة المصرية في عهد الملك فاروق. وقد تجلى هذا الارتباط في تصريح حسن البنا: «إن كان الشعب مع الوفد فالله مع الملك»، ما أتاح للجماعة الانتشار في مختلف شرائح المجتمع بدعم غير مباشر.
إلا أن هذا الوضع تغيّر بعد تأسيس «الجهاز الخاص» التابع للجماعة، الذي ارتبط بعمليات اغتيال سياسية، أبرزها اغتيال النقراشي باشا. ومع تصاعد هذه العمليات، شعرت السلطة بالخطر، ما أدى إلى ملاحقة الجماعة، وانتهى الأمر باغتيال حسن البنا، لتدخل بعدها مرحلة العمل السري.
مع قيام ثورة يوليو وظهور الضباط الأحرار، شهدت العلاقة مع الجماعة مرحلة تقارب، حيث لم تُحلّ الجماعة كباقي الأحزاب، وظهرت كتابات لسيد قطب تمدح الثورة وقيادتها. لكن سرعان ما نشب الخلاف، خاصة بعد قرارات الإصلاح الزراعي التي تعارضت مع مصالح بعض داعمي الجماعة، مما أدى إلى صدام مباشر، تجلّى في محاولة اغتيال جمال عبدالناصر في المنشية.
لاحقاً، برز دور سيد قطب في تطوير فكر أكثر تشدداً داخل الجماعة، خاصة من خلال كتابه «معالم في الطريق»، حيث طرح أفكاراً اعتبر فيها المجتمع في حالة انحراف، وهو ما أثّر لاحقاً في عدد من الحركات المتطرفة.
ومع تطور هذه الحركات، برزت حاجتها إلى الدعم المالي واللوجيستي، ما أدى إلى دخولها في سياقات صراعات دولية، كما حدث في أفغانستان خلال الحرب الباردة، حيث استُخدمت في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
وفي مرحلة الربيع العربي، شاركت هذه التنظيمات في التحولات السياسية في عدة دول، من تونس إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن، وترافقت هذه الأحداث مع تدخلات خارجية ساهمت في تعقيد المشهد وتصاعد الصراعات.
وبمرور الوقت، أصبحت هذه التنظيمات جزءاً من توازنات إقليمية ودولية، يتداخل دورها مع مصالح القوى الكبرى، رغم اختلاف الأسماء والظروف.