سيد حسين يكتب: التحولات الدراماتيكية فى بنية النظام الإيرانى من «طوفان الأقصى» إلى الحرب الأمريكية
سيد حسين يكتب: التحولات الدراماتيكية فى بنية النظام الإيرانى من «طوفان الأقصى» إلى الحرب الأمريكية
لا يمكن النظر إلى الموقف الأمريكى - الإسرائيلى من التمدد الإيرانى فى سوريا واستقدام الروس لدعم نظام الأسد الراحل على أنه مجرد صمت سياسى أو تغافل مقصود، فالمعطيات المتاحة تُرجّح أن أجهزة الاستخبارات فى كلتا الدولتين كانت تعمل وفق مخطط استراتيجى محكم، يقوم على حرب استنزاف طويلة الأمد بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، وأثمر هذا المخطط فى نهاية المطاف عن سقوط نظام الأسد، وما رافقه من انهيار لأحد أبرز أركان الهلال الإيرانى الذى كان يُجسّد حلماً استراتيجياً راسخاً فى العقيدة الأمنية الإيرانية، وجاء هذا الانهيار متزامناً مع ضربات ممنهجة استهدفت محور المقاومة بمجمل مكوناته، فى سياق حرب واسعة أشعل فتيلها «طوفان الأقصى» وأعاد من خلاله رسم معالم النفوذ الإيرانى فى المنطقة رسماً جذرياً.
وعلى الرغم من المساعى الإيرانية المتواصلة لإعادة ترتيب الأوراق والحدّ من تآكل محورها الإقليمى فى أعقاب «طوفان الأقصى»، فإن تلك المساعى ظلت عاجزة عن وقف نزيف الخسائر المتراكمة، إذ توّجت حرب الاثنى عشر يوماً المرحلة الأولى من هذا الانكشاف، قبل أن تأتى الحرب الثانية لتُحدث شروخاً أعمق فى بنية النظام، تتشعّب تداعياتها المستقبلية بين احتمال التغيير الجذرى للنظام من جهة، وانحسار الدور الإقليمى والتحوّل نحو الانكفاء الداخلى من جهة أخرى، ويتمحور هذا المقال حول رصد محاولة النظام الإيرانى امتصاص تداعيات الطوفان على الصعيدين الداخلى والخارجى، وإن كان الحكم الأوّلى يُشير إلى أن تلك المحاولة جاءت متأخرة وقاصرة عن بلوغ أهدافها.
«طوفان الأقصى» وإعادة تعريف الدور الإيرانى
لم يكن «طوفان الأقصى» فى الحسابات الإيرانية مجرد حدث طارئ يمكن استيعابه ضمن أُطر التحليل المعهودة، بل أربك المنظومة الاستراتيجية برمّتها، وأجبر «طهران» على إعادة النظر فى مقوّمات نفوذها ومحدداته، فقد كشف المشهد المصاحب لاندلاع العملية عن اضطراب مزمن فى موازين القوى الإقليمية ظل طى الكتمان لسنوات، وأوقع إيران أمام مفارقة حادة، حيث اعتادت بناء حضورها الخارجى على ركيزتَى الفاعلية الثورية ودعم المقاومة، إلا أنها وجدت نفسها فى بيئة استراتيجية مغايرة لا تُقاس فيها المكانة بالخطاب الأيديولوجى وحده، بل بالقدرة الفعلية على التكيف مع متغيرات الشارع العربى وتحولاته الوجدانية، وعلى تحمّل تكاليف الانكشاف الاقتصادى الذى بات يُهدد الصمود الداخلى والتمدد الخارجى فى آنٍ واحد.
وعلى مستوى الاختبار الفعلى لصانع القرار الإيرانى، كشف الطوفان عن بُعدَين متشابكَين، أحدهما داخلى يتعلق بما يُحرّكه هذا الحدث فى الوجدان الجمعى الإيرانى، وآخر خارجى يرتبط بما يُعيد ترتيبه فى موازين النفوذ الإقليمى، ففى الداخل، وظّف النظام الحدث لإحياء خطاب الثورة، مُقدِّماً إياه دليلاً دامغاً على صواب الرؤية الإيرانية فى قراءة النظام الدولى وتناقضاته، غير أن هذا التوظيف اصطدم بجدار صلب من التناقض الاجتماعى، إذ يصعب إقناع مواطن يرزح تحت وطأة التضخم والعقوبات وتفاوت توزيع الثروة بأن أولويات بلاده تنصبّ على جبهات بعيدة، فيما تنخر الأزمات نسيجه اليومى من الداخل، أما على الصعيد الخارجى، فقد وقعت «طهران» فى مأزق المعادلة المستحيلة، بأن تُظهر تضامناً فعلياً مع «غزة» دون أن تنزلق إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، وهو ما استدعى من مؤسساتها الدبلوماسية والأمنية انضباطاً استراتيجياً استثنائياً.
التحديات البنيوية للنظام
لا يمكن فهم ما تعيشه إيران اليوم دون استحضار السياق التاريخى الممتد منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، إذ لم تتوقف الدولة منذ لحظة تأسيسها عن صراع مزمن مع ذاتها، يجمع بين إدارة اقتصاد منهك بالعقوبات، وضبط انقسامات سياسية متجذّرة، واستيعاب تحولات اجتماعية تسير أسرع من قدرة النظام على معالجتها، وأفرز هذا المشهد المتراكم حالة دائمة من البحث عن توازن مضطرب بين مقتضيات الشرعية الثورية ومتطلبات الحكم الواقعى «شرعية تحتاج إلى خطاب يُغذّيها، وحكم يحتاج إلى موارد تدعمه».
والخط الفاصل الأكثر حضوراً فى هذا المشهد هو الانقسام التاريخى بين المحافظين والإصلاحيين، وهو انقسام يتجاوز فى عمقه حدود التنافس الانتخابى أو الاختلاف البرامجى، ليمسّ جوهر السؤال الوجودى حول شكل الدولة الإيرانية، فالمحافظون يستمدون شرعيتهم من الوفاء لمبادئ الثورة وصون الهوية الإسلامية فى مواجهة ما يصفونه بالهيمنة الغربية، مستندين إلى دعم مؤسسات الدولة العميقة كالحرس الثورى ومجلس صيانة الدستور التى تمنحهم ثقلاً يصعب موازنته، وفى المقابل، يطرح الإصلاحيون رؤية دولة تنفتح على محيطها الدولى وتُعيد بناء علاقاتها عبر الدبلوماسية، وتُرسّخ مشاركة الشعب فى صنع القرار ضماناً لعدالة اجتماعية حقيقية، إلا أنّ هذا الجدل، على أهميته، جرى فى الغالب ضمن فضاء مُقيَّد تضيّق فيه القيود القانونية هامش التعبير، وتُفرغ المؤسسات المنتخبة من فاعليتها الحقيقية.
المرحلة المفصلية وسيناريوهات المستقبل
بعد أكثر من أربعة عقود على انطلاق ثورتها، تقف إيران فى مواجهة أصعب اختباراتها منذ التأسيس، اختبار يقيس قدرتها على التعايش مع عالم متحوّل اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، مع الإمساك فى الوقت ذاته بثوابتها الأيديولوجية التى تُشكّل الركيزة التأسيسية لشرعيتها، وفى ضوء هذا المشهد، تتشكّل ثلاثة مسارات محتملة، بينها مسار الإصلاح التدريجى الذى يُعيد توليد الشرعية من داخل النظام، ومسار الجمود والاستمرارية الذى يُؤجّل الأزمة ولا يُعالجها، ومسار التحول البنيوى أو الانتقال السياسى الذى تتفاوت فى واقعيته التقديرات ووجهات النظر.
والمتأمّل فى مسار الجمهورية الإسلامية يدرك أن مستقبلها بات مرهوناً بقدرتها على الانتقال من نظام يُحرّكه الخطاب إلى دولة تُديرها المصالح، فنظام قام على مواجهة الغرب وتعبئة الداخل يجد نفسه أمام مجتمع لم يعد الشعار وحده يكفيه، ولم تعد الأيديولوجيا تُسكّن جوعه أو تعالج بطالته، ولذلك، فإن مسار الإصلاح السياسى والاقتصادى لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل إلى أجلٍ غير مسمى، بل بات ضرورة حتمية تفرضها الاستحقاقات الداخلية قبل الضغوط الخارجية، فالإصلاح المنضبط من داخل النظام قد يُفضى إلى إعادة إنتاج الشرعية فى صيغة أكثر اتساقاً مع متطلبات المجتمع، فى حين يُعمّق الجمود الاحتقان ويُراكم مقدمات أزمة أعنف. وفى المحصلة، ستظل كفاءة القيادة الإيرانية فى إدارة هذه المرحلة الفارقة هى المتغير الأكثر تأثيراً فى رسم مصير الجمهورية على امتداد العقود المقبلة.