لبنان بين إسناد إيران والمساندة المصرية
في قلب التطورات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يقف لبنان اليوم باعتباره الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، وتتصدر سيناريوهات التصعيد حسابات الاستقرار، فالمؤشرات توحي بأن الجنوب اللبناني لم يعد مجرد ساحة ردع متبادل، بل بات هدفاً مباشراً ضمن حسابات إسرائيلية تتجاوز حدود العمليات التقليدية إلى تصورات توسعية تسعى إلى فرض واقع جغرافي جديد.
فالتصريحات التي تحدثت عن جعل نهر الليطاني حداً جديداً لإسرائيل لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد رسائل إعلامية عابرة، بل تعكس تصوراً استراتيجياً يقوم على السيطرة على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني، بما يمثل تهديداً مباشراً لسيادة الدولة اللبنانية واستقرارها، ويضع لبنان أمام أخطر اختبار لقدرته في الحفاظ على تماسكه الداخلي وحدوده المعترف بها دولياً.
ولا يمكن قراءة ما يحدث في لبنان بمعزل عما جرى ويجري في ساحات أخرى، فالتطورات التي شهدتها غزة، والأطماع المتزايدة في أراضي الضفة الغربية، والتوسعات العسكرية على حساب الجغرافية السورية، جميعها تشير إلى ما يدور في عقل حكومة الاحتلال الإسرائيلي، ويستهدف إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة وفق معادلات القوة لا قواعد القانون الدولي.
غير أن الخطر الذي يواجه لبنان اليوم لا يرتبط فقط بحسابات إسرائيلية، بل يتصل أيضاً بقرارات داخلية رفعت مستوى المخاطرة إلى حد غير مسبوق، فدخول «حزب الله» في المواجهة دعماً لإيران وضع لبنان في قلب معركة لا تتصل مباشرة بمصالحه الوطنية، وفتح الباب أمام توسيع نطاق العمليات العسكرية ضده، في وقت يعاني فيه البلد أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، وانقسام سياسي حاد، وتراجع غير مسبوق في قدرة الدولة على إدارة الأزمات، والتي لن يكون آخرها أزمة السفير الإيراني في بيروت.
ومن منظور استراتيجي، يمكن القول إن هذا «الإسناد» الذي قُدم لإيران لم يكن إسناداً يحمي لبنان، بل إسناد أدخله في دائرة الاستهداف، وعرَّضه لاحتمالات الاحتلال والتصعيد، وفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، في مقدمتها احتمال تفاقم الصراع الداخلي، في ظل اتساع الفجوة بين القوى السياسية، وتصاعد الرفض الشعبي لتوريط البلاد في صراعات لا تعبِّر عن أولوياتها الوطنية.
وسط هذه البيئة المشحونة، يبرز نوع آخر من «الإسناد» يختلف في طبيعته وأهدافه ونتائجه، ويتمثل في التحرك المصري الدبلوماسي والإنساني لدعم لبنان ومحاولة منع انزلاقه إلى سيناريوهات كارثية، فالقاهرة لم تتعامل مع الأزمة اللبنانية باعتبارها ملفاً هامشياً في خضم أحداث كبرى تتزاحم بها المنطقة، لهذا تحركت سريعاً على أكثر من مسار، في محاولة لاحتواء التصعيد وحماية استقرار الدولة اللبنانية.
وخلال زيارته إلى بيروت، قبل أيام، على رأس قافلة المساعدات الإنسانية المصرية إلى الشعب اللبناني الشقيق، حمل وزير الخارجية د. بدر عبدالعاطي رسالة دعم واضحة من الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى القيادة اللبنانية، تؤكد تضامن مصر الكامل مع لبنان قيادةً وشعباً، واستعدادها لتقديم كل أشكال الدعم في هذه المرحلة الدقيقة.
وامتد التحرك المصري ليشمل أيضاً اتصالات مكثفة مع أطراف إقليمية ودولية، إلى جانب دور الوساطة الذي تتشارك فيه مصر مع أطراف إقليمية في إطار جهود تهدف إلى خفض التوتر والتصعيد العسكري.
وتعكس هذه التحركات إدراكاً مصرياً عميقاً لخطورة ترك لبنان وحيداً في مواجهة ضغوط عسكرية وسياسية متزايدة، خاصة في ظل مؤشرات غير مشجعة حول مستقبل الجبهة اللبنانية، مع استمرار التشدد الإسرائيلي ورفض ربط الحرب على لبنان بأي مسار تفاوضي أوسع مع إيران، بما يزيد من احتمالات استمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة.
وجاء البعد الإنساني المصري معززاً مصداقية هذا الإسناد، مع إرسال مصر شحنات مساعدات إنسانية كبيرة تقترب من ألف طن، تضمنت مواد طبية وغذائية ومستلزمات إيواء، موجهة لدعم النازحين اللبنانيين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم بفعل العمليات العسكرية.
ولم يكن هذا التحرك مجرد إجراء إغاثي، بل رسالة تؤكد أن دعم الدول لا يقاس فقط بالمواقف، بل بالأفعال القادرة على تخفيف معاناة الشعوب.
وفي ظل هذه المعادلات المتشابكة، يبقى المسار التفاوضي هو الأمل الأخير لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. غير أن نجاح أي مسار تفاوضي لن يكون كافياً ما لم يصاحبه إدراك داخلي لبناني بأن أمن الدول لا يُبنى على حسابات المغامرة، بل على ترسيخ مفهوم الدولة وسيادة القانون وحصرية القرار العسكري.
إن المقارنة بين نوعين من «الإسناد» تكشف بوضوح الفارق بين من يدعم الدول ليحمي استقرارها، ومن يدعم صراعات تُقحمها في أزمات أكبر من قدراتها، فهناك إسناد جرَّ لبنان إلى دائرة الخطر، وإسناد آخر يسعى إلى إنقاذه من تداعيات تلك المغامرات.
وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح المستقبل اللبناني: إما دولة تستعيد قرارها الوطني وتحتمي بدعم أشقائها، أو ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي.
ولعل الدرس الأهم في هذه اللحظة الحرجة أن الدول لا تُحمى بالشعارات، بل بسياسات مسئولة، ولا تُنقذ بالمغامرات، بل بإسناد حقيقي يحفظ الدولة ويصون شعبها من كلفة الحروب التي لا طائل منها.