إيران تواجه سيناريو «عراق التسعينيات».. مجتمع الاستخبارات والأمن الأمريكي يحلل «مؤشرات الحرب الأمريكية على إيران»
إيران تواجه سيناريو «عراق التسعينيات».. مجتمع الاستخبارات والأمن الأمريكي يحلل «مؤشرات الحرب الأمريكية على إيران»
فى تمام الساعة الرابعة من فجر يوم 28 فبراير الماضى، لم يكن دوى الانفجارات التى هزت جبال توزلو ومنشآت أصفهان مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل كان إعلاناً صاخباً عن نهاية إيران كما عرفها العالم لـ36 عاماً، ومع انجلاء غبار الصواريخ «الأمريكية - الإسرائيلية»، لم تسقط فقط الدفاعات الجوية للنظام، بل سقط المرشد الأعلى على خامنئى وعدد ضخم من القيادات الأمنية والتنفيذية الإيرانية، لتجد طهران نفسها فى مواجهة زلزال وجودى وضعها أمام خيارين أحلاهما علقم: السقوط الكلى أو المقامرة الكبرى بتوريث السلطة لنجله «مجتبى»، وهو ما تم.
وبينما يشتعل الميدان، ويختنق شريان الطاقة العالمى فى مضيق هرمز الذى يصفه البعض فى الصحف والدراسات الغربية بـ«وادى الموت»، وتتفتت أطراف «محور المقاومة» من بيروت إلى صنعاء، أصدرت مؤسسة راند الأمريكية، إحدى أكبر المؤسسات البحثية الأمريكية الممولة من وزارة الدفاع الأمريكية، تحليلاً لعدد من كبار باحثيها، حول التفاصيل على أرض الواقع.
ففى قلب العاصمة طهران؛ حيث لا تزال رائحة الدخان والموت تخيم على المقرات السيادية التى دكتها الصواريخ، وفى ظل حالة من الذهول والارتباك لم تشهدها إيران منذ ثورة 1979، خرج «الدخان الأبيض» من أروقة «مجلس الخبراء» ليعلن عن مفاجأة هزت أركان ما تبقى من النظام، وهى أن مجتبى خامنئى هو المرشد الأعلى الجديد.
لم يكن هذا الإعلان مجرد انتقال روتينى للسلطة فى لحظة أزمة، بل كان بمثابة «انتحار أيديولوجى» لجمهورية قامت شرعيتها على أنقاض نظام الشاه الوراثى؛ فهذا الفصل من الحكاية لا يتحدث فقط عن رجل يرتقى المنصب الأول فى إيران، بل عن صراع بقاء خاضته أجنحة النظام فى غرف مغلقة بينما كانت الطائرات لا تزال تحلق فى السماء.
ترى هيذر ويليامز، الخبيرة المخضرمة فى عالم الاستخبارات الأمريكية وأحد مسئولى برنامج الاستخبارات والسياسية الدولية فى مؤسسة راند الأمريكية، أن صعود مجتبى يمثل «صدمة سياسية»؛ فبرغم أن اسمه كان يُتداول كخليفة محتمل لسنوات، فإن افتقاره التام للمؤهلات الدينية العليا والشرعية السياسية الشعبية جعل من ترشيحه مغامرة كبرى؛ فكما تقول ويليامز: «بصراحة، اختيار مجتبى هو مفاجأة لى؛ فلقد كان اسمه يطفو على السطح دائماً، لكن بالنظر إلى النغمة الحاكمة فى إيران وافتقاره للخبرة الإدارية الرسمية، لم نكن نراه مرشحاً جاداً».
وتصف الخبيرة الأمريكية مسألة اختيار المرشد الإيرانى الجديد بأنه أمر يعكس «إفلاساً فى البدائل»؛ فإما أن النظام لم يجد شخصية أخرى تحظى بإجماع الفصائل المتصارعة، أو أن الحرس الثورى الإيرانى وجد فى «مجتبى» الشخصية المثالية ليكون «مرشداً تحت الوصاية»؛ فهو بمثابة واجهة مدنية شابة لجنرالات الحرب الذين يديرون المعركة فعلياً على الأرض.
وبينما يرى البعض فى «مجتبى» شخصية ضعيفة، تذكرنا هيذر ويليامز بدرس تاريخى، قائلة: «والده علىّ خامنئى، عندما تم اختياره فى عام 1989، تم التقليل من شأنه بشكل مزمن ووُصف بالضعف والافتقار للمؤهلات، لكنه أثبت لاحقاً قدرة فائقة على المناورة والبقاء فى السلطة لمدة 36 عاماً».
وتصف ميشيل جريه، الخبيرة الأمريكية المخضرمة فى الشئون الإيرانية، ملف تكليف نجل خامئنى كمرشد أعلى، بأنه انقلاب على مبادئ الثورة الإيرانية؛ فهذا التنصيب جاء فى سياق تاريخى مؤلم للنظام، لأن الثورة الإسلامية ولدت من رحم رفض السلطنة والوراثة البهلوية، وبوصول نجل المرشد إلى الكرسى، يكون النظام قد أكمل دورته التاريخية ليعود إلى نقطة الصفر التى ثار عليها الإيرانيون قبل عقود.
وتوضح الخبيرة فى الشئون الإيرانية: «لقد قرر مجلس الخبراء، وهو يواجه تهديداً وجودياً، أن فوائد الاستمرارية والشعور بالاستقرار التى يقدمها شخص مطلع على أسرار المؤسسة الأمنية، تفوق مخاطر الغضب الشعبى الناتج عن توريث السلطة»، ومع ذلك، تحذر «جريه» من أن هذا القرار لن يلقى تأييداً شعبياً فى أروقة الشارع الإيرانى.
كارين سودكامب: إيران تجهز «خلايا سرية» لتنفيذ «عمليات تخريبية عالمية».. والحوثيون ينتظرون الوقت المناسب للتحرك فى البحر الأحمر
أما كارين سودكامب، الخبيرة السابقة فى وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية DIA، فترى فى المشهد زاوية مغايرة؛ فمن زاوية الصلابة العسكرية؛ فإن اختيار مجتبى هو إعلان للعالم بأن الجمهورية الإسلامية لا تزال تعمل، وهى رسالة طمأنة للقاعدة الصلبة للنظام ولأجهزة الأمن بأن الدولة لم تنهَر بمقتل على خامنئى.
وتؤكد سودكامب أن مجتبى ليس مجرد ابن مرشد، بل هو جزء أصيل من النخبة التى خدمت فى الحرس الثورى؛ فإلى جانب على لاريجانى ومحمد باقر، يشكل مجتبى «مثلث الحرس» الذى يسيطر على مفاصل الدولة الآن، وتقول سودكامب: «هذا الاختيار يمثل انتصاراً صريحاً للحرس الثورى وتفانيه فى حماية بقاء النظام بأى ثمن، وهو بمثابة انتقال من حكم الفقيه إلى حكم الأمنيين تحت غطاء دينى وراثى».
وبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم المقرات القيادية فى طهران، كان ثمة زلزال صامت يضرب عواصم أخرى؛ من ضاحية بيروت الجنوبية إلى أحياء دمشق، ومن صحارى الأنبار إلى جبال مران فى اليمن، وهى «شبكة الوكلاء» أو ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، تلك المنظومة المعقدة التى بنتها إيران على مدار أربعة عقود لتكون درعها الحصين وسيفها المسلط فى المنطقة، والتى تجد نفسها اليوم فى مواجهة حقيقة مرة، وهى أن «الراعى الكبير» غارق فى دمائه، والقواعد القديمة للعبة قد احترقت بالكامل.
وتستهل مارزيا جيامبرتونى، محللة برامج فى الكلية الحربية البحرية الأمريكية والخبيرة فى مركز راند، حديثها، تحليلها بالإشارة إلى سقوط المفهوم الجوهرى الذى قامت عليه استراتيجية طهران، وهو «الدفاع الأمامى»؛ فكانت الفكرة تقتضى بامتصاص التهديدات بعيداً عن الأراضى الفارسية باستخدام أجساد وقدرات الوكلاء، ولكن، وكما تقول جيامبرتونى: «لقد وصلت هذه العقيدة إلى حدودها القصوى وتحطمت، وأصبح من الصعب جداً إعادة تشكيل البنية المالية واللوجيستية التى كانت تحافظ على تماسك هذه الشبكة؛ فالتنسيق والعمق الاستراتيجى يتدهوران بسرعة تفوق قدرة طهران على التكيف فى ظل الهجوم المستمر».
ويحتل حزب الله اللبنانى مكانة خاصة فى هذا المشهد، كونه «الجوهرة فى تاج» المحور الإيرانى، إلا أن كايل كيليان، الضابط السابق فى الوحدات الخاصة الأمريكية والمحلل فى مركز راند، يرى أن الحزب يعيش أسوأ أيامه، ويقول: «إسرائيل أعطت الأولوية القصوى لإزالة حزب الله من المعادلة، ليس فقط بسبب قربه الجغرافى، بل لخبرته العميقة ومخزونه الصاروخى الهائل، ولقد خسر الحزب أغلبية قيادته العليا حتى قبل هذا الصراع، وما يحدث الآن هو استنزاف لما تبقى من هيكليته التنظيمية».
ويضيف «كايل» أن الهجوم المنسق الذى شنه الحزب بالصواريخ والمسيرات كان محاولة لإثبات الوجود، لكنه فى الحقيقة عكس حالة من التخبط؛ حيث باتت الجماعة تقاتل من أجل بقائها الوجودى أكثر من قتالها لتنفيذ أجندة طهران الاستراتيجية.
أما فى العراق واليمن؛ فالمشهد يبدو أكثر تفتتاً، وتشير كارين سودكامب إلى أن الميليشيات الشيعية فى العراق تعانى من انقسام حاد؛ فمنها خلايا ذات دوافع أيديولوجية عميقة تصر على الانتحار فى سبيل طهران، ومنها من وصفتهم بـ«سماسرة سلطة»، متجذرين فى الدولة العراقية بدأوا يدركون أن الاستمرار فى هذه المواجهة «سيئ للأعمال»، وقد يطيح بمكاسبهم السياسية والمالية داخل العراق.
وفيما يتعلق بالحوثيين، تلفت سودكامب الانتباه إلى أنهم يمثلون «الطرف الأكثر استقلالاً» فى المحور؛ حيث ينتظرون اللحظة المناسبة للمساهمة فى الرد ضد الشحن فى البحر الأحمر، لكنهم يفتقرون إلى التنظيم لتقديم جبهة موحدة دون الدعم المباشر والإشراف الفنى من الحرس الثورى الذى يعانى حالياً من قطع خطوط اتصالاته القيادية.
ورغم هذا التفتت، يحذر خبراء «راند» من أن «ذيل الثعبان» قد يلدغ حتى وهو مقطوع، وتعود كارين سودكامب للتحذير من أن طهران، فى لحظة يأسها، قد تعطى الإشارة لخلايا سرية موزعة حول العالم، مستشهدة باعتقال مسئولين قطريين أعضاء فى خلية إيرانية نائمة، مما يشير إلى أن طهران قد تحول استراتيجيتها من الحروب النظامية بالوكالة إلى الإرهاب العالمى والتخريب لرفع التكلفة على المجتمع الدولى.
الجزء الثالث الذى حلله خبراء مجتمع الاستخبارات والدفاع الأمريكيين، كان تهديد الصواريخ الإيرانية لإسرائيل؛ ففى الوقت الذى كانت فيه المقاتلات الإسرائيلية والأمريكية تغير على المواقع الاستراتيجية فى العمق الإيرانى، كان التفكير فى تل أبيب يتجاوز مجرد تدمير المنصات الصاروخية؛ فكان الهدف هو حسم «صراع الوجود» الذى استمر لعقود؛ فيرى الخبراء أن هذه اللحظة تمثل نقطة تحول تاريخية لأمن إسرائيل، لكنها فى الوقت ذاته تفتح أبواباً لتعقيدات جيوسياسية لم تكن فى الحسبان.
رافائيل كوهين: طهران ستجد نفسها معزولة بعد انتهاء الحرب لضربها الدول «الصديقة والمحايدة».. ووكلاؤها فى غزة واليمن ولبنان فقدوا داعمهم الرئيسى
ويحلل رافائيل كوهين، الضابط السابق فى استخبارات الجيش الأمريكى ومدير برنامج الاستراتيجية والعقيدة بمؤسسة «راند»، المشهد من منظور استراتيجى كلاسيكى، مشيراً إلى أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية لطالما اعتبرت إيران بمثابة «رأس الثعبان» ووكلاءها «الذيل»، ويقول كوهين: «من الممكن أن تذهب إسرائيل بعيداً فى هذا التشبيه؛ فحتى لو نجحت واشنطن وتل أبيب فى قطع رأس الثعبان أو تغيير النظام، فإن الوكلاء (الذيول) سيبقون موجودين، لأنهم متجذرون بعمق فى مجتمعاتهم فى لبنان وغزة واليمن».
ومع ذلك، يضيف «كوهين» أن سقوط أو شلل المركز فى طهران سيجرد هؤلاء الوكلاء من داعمهم الرئيسى، مما قد يجعلهم «أقل ضراوة» على المدى البعيد، رغم قدرتهم على إحداث الفوضى فى المدى القصير.
من جانبه، يرى على وين، الباحث الأقدم فى السياسات بـ«راند»، أن المكاسب العسكرية المحققة حتى الآن توفر للإسرائيليين مهلة أمنية طال انتظارها، مشيراً إلى أن إيران كانت تمثل التهديد النهائى كدولة على عتبة نووية وتمتلك آلاف الصواريخ الباليستية، مؤكداً أن تقويض القدرات الإيرانية سيشترى لإسرائيل عدة سنوات من الهدوء، لكن بقاء إسرائيل فى حالة حرب مستمرة فى غزة ولبنان يثبت أن المكاسب العسكرية وحدها لن تنهى حالة النزاع الإقليمى.
وبحسب تحليل «على»؛ فإن تصعيد إيران ضد جيرانها عُمان وقطر وتركيا دفع هذه الدول للتحالف بشكل أوثق مع إسرائيل، ولكن على أساس سرى، ويقول: «هناك سبب للاعتقاد بأن هذه الحملة ستعزز التعاون الاستخباراتى والأمنى بين إسرائيل وجيرانها العرب، وستزيد من صادرات الدفاع الإسرائيلية لدول الخليج».
ومع ذلك، يحذر الخبراء من وهْم التطبيع المجانى، ويرى رافائيل كوهين أن افتراض إسرائيل بأن التهديد الإيرانى المشترك سيؤدى تلقائياً لتطبيع العلاقات مع السعودية ودول أخرى دون حل القضية الفلسطينية هو بمثابة «تفكير مبالغ فيه»، ويضيف: «الدول العربية تحصل حالياً على الفوائد الأمنية للتعاون مع إسرائيل دون تحمل المخاطر السياسية للتطبيع العلنى، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر التى أعادت القضية الفلسطينية لمركز الاهتمام العربى».
ويشير الخبراء إلى تطور خطير يتمثل فى قيام إيران بضرب دول كانت محايدة أو حتى صديقة مثل عُمان وقطر، فى محاولة منها لرفع التكلفة على الجميع، ويرى «كوهين» أن هذا السلوك قد يغير المشهد الجيوسياسى تماماً بمجرد أن يهدأ الغبار؛ حيث قد تجد إيران نفسها معزولة تماماً حتى من أقرب القنوات الدبلوماسية التى كانت تعتمد عليها.
أما النقطة الأكثر إيلاماً للعالم وإثارة للجدل حالياً؛ فهى ملف الطاقة وأسعارها؛ فمع انطلاق الرصاصة الأولى فى الصراع، اتجهت أنظار العالم بأسره نحو نقطة جغرافية لا تتعدى بضعة كيلومترات، لكنها تمثل «صمام الأمان» للحضارة الحديثة، وهى مضيق هرمز؛ ففى هذا الفصل، يحلل خبراء مؤسسة راند كيف تحول هذا الممر المائى إلى ساحة كسر عظم اقتصادية، مهدداً بإدخال كوكب الأرض فى أعمق ركود عرفه التاريخ المعاصر.
ويرسم هوارد شاتز، عضو مجلس المستشارين الاقتصاديين لرئيس الولايات المتحدة سابقاً والخبير الاقتصادى فى مؤسسة راند، صورة مقلقة للوضع الميدانى؛ فمنذ يوم 8 مارس أُغلق المضيق فعلياً أمام حركة الملاحة التجارية نتيجة التهديدات المباشرة والألغام البحرية والاشتباكات الصاروخية، مضيفاً: «نحن نتحدث عن ممر يتدفق عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية وخُمس استهلاك الغاز الطبيعى المسال فى العالم؛ فبمجرد توقف الحركة فيه، بدأ المنتجون الذين يعتمدون عليه فى إيقاف الإنتاج قسرياً، وقفزت أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة».
كايل كيليان: «حزب الله» يقاتل من أجل البقاء وليس لتنفيذ «أجندة إيران».. وهجومه على إسرائيل «محاولة لإثبات الوجود»
ويؤكد «شاتز» أن الاقتصاد العالمى يقف الآن أمام مفترق طرق؛ فإذا استمر الإغلاق لفترة طويلة، فإن النتيجة الحتمية هى تباطؤ الإنتاج العالمى والدخول فى حالة ركود شامل، ومع ذلك، يطرح الخبراء ثلاثة مؤشرات للمراقبة لتقييم مدى إمكانية النجاة من هذه الأزمة، أولها مدى نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل فى توفير مظلة حماية عسكرية للسفن التجارية وتدشين آلية تأمين دولية جديدة لتعويض الشركات عن المخاطر، وثانيها إلى أى مدى ستكفى كميات النفط الهائلة التى تحتفظ بها الصين فى احتياطيها الاستراتيجى، والنفط غير المباع العائم فى البحر، فى سد العجز المؤقت، وأخيراً احتمالية قيام الصين بإبرام صفقات سرية أو منفصلة مع الأطراف المتصارعة لتأمين مرور شحناتها، مما قد يخفف الضغط عن الأسواق الآسيوية.
ويشير خبراء مركز راند إلى وجود طرق بديلة، لكنها تظل مسكنات لا تغنى عن الممر الرئيسى؛ فيوضح الخبراء أن خط الأنابيب السعودى إلى البحر الأحمر، وخط الأنابيب العراقى عبر تركيا، يمكنهما نقل جزء من الإنتاج، لكنهما لا يمتلكان السعة الكافية للتعويض عن إغلاق المضيق بشكل كامل على المدى الطويل.
وتستخدم إيران «ورقة الطاقة» كآخر سلاح لديها للضغط على المجتمع الدولى، وترى كارين سودكامب أن طهران وسعت الصراع عمداً لزيادة التكاليف على النظام الاقتصادى العالمى، آملةً أن يؤدى الانهيار المالى فى الغرب إلى الضغط على واشنطن لوقف الهجمات، وتقول «سودكامب»: «إيران تحاول اختبار عزم العالم؛ إنها تراهن على أن صرخة الجوع والبرد فى العواصم الكبرى ستكون أعلى من دوى الصواريخ فوق طهران».
وعن الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة؛ فبينما كانت الانفجارات تهز المنشآت العسكرية الإيرانية، كانت أروقة الأمم المتحدة والعواصم الكبرى تشهد حركة دبلوماسية محمومة، لكنها بدت للكثيرين وكأنها «حرث فى البحر»، لكن خبراء «راند» يرون أن طاولة المفاوضات أبعد ما تكون عن الواقع الحالى.
جوليا ماسترسون: إيران نقلت «اليورانيوم عالى التخصيب» لـ«منشأة أصفهان».. ومنح الوصول الدولى الكامل له سيكون حلاً لإنهاء الأزمة
وتطرح جوليا ماسترسون، مسئولة شئون خارجية سابقة فى مكتب الحد من الأسلحة والردع والاستقرار الأمريكى، والباحثة المتخصصة فى الأمن النووى ومنع الانتشار بمؤسسة راند، رؤية فنية قد تشكل مخرجاً طارئاً للأزمة الراهنة، قائلة إن «منشأة أصفهان» هى العقدة والحل فى آن واحد؛ حيث يُعتقد أن مخزون إيران من اليورانيوم عالى التخصيب قد دُفن هناك منذ مواجهات يونيو الماضى، وتقول «ماسترسون»: «لا يزال من الممكن أن يوفر البرنامج النووى الإيرانى طريقاً لخفض التصعيد إذا وافقت القيادة الجديدة مجتبى خامنئى على منح وصول دولى كامل للمنشأة، وأن نقل اليورانيوم عالى التخصيب إلى خارج إيران بواسطة مفتشين دوليين قد يكون جزءاً من اتفاق دبلوماسى لإنهاء القتال، لكنها تتساءل فى الوقت ذاته: هل سيعتبر مجتبى هذه الخطوة «طوق نجاة» أم «إهانة وطنية» فى بداية عهده؟
ومن منظور سياسى، ترى ميشيل جريه، الخبيرة فى مركز راند، أن الخطاب القادم من واشنطن يغلق الأبواب أمام الدبلوماسية التقليدية، وتوضح: «بما أن الولايات المتحدة دعت صراحة إلى استسلام إيران غير المشروط، فإنه من الصعب جداً من الناحية السياسية على قادة إيران الجلوس إلى طاولة المفاوضات دون أن يظهروا بمظهر المستسلم للضغوط الأمريكية والإسرائيلية»، مضيفة: «اختيار مجتبى خامنئى بحد ذاته (رسالة رفض)، تشير إلى أن طهران اختارت مضاعفة الرهان على حملة مستدامة بدلاً من التراجع».
أما كارين سودكامب فتميل إلى نظرة أكثر قتامة، مؤكدة أن المسارات الدبلوماسية التاريخية التى كانت تُستخدم لتهدئة التوترات لم تعد موجودة؛ حيث وصلت الأطراف الثلاثة «إيران، وإسرائيل، وأمريكا» إلى قناعة بأنها تحارب تهديدات وجودية لا تقبل الحلول الوسط، وتضيف: «لكى تنجح الدبلوماسية، يجب أن تكون هناك ثقة، وهذه الثقة تبخرت تماماً بعد فشل الجهود الدبلوماسية السابقة فى منع اندلاع هذا الصراع، واليوم، كل طرف يرى فى التنازل إشارة ضعف ستؤدى لدماره الشامل».
ويتفق الخبراء على أن الدبلوماسية لن تظهر إلا فى حالتين، الأولى هى وصول الأطراف إلى نقطة الجمود المؤلم؛ حيث تصبح تكلفة الاستمرار فى الحرب أعلى من تكلفة التنازل السياسى، أو أن تدرك النخبة المحيطة بمجتبى خامنئى، وتحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، أن بقاء النظام ككل مرهون بتقديم تضحية كبرى فى الملفين النووى والإقليمى.
وعن مستقبل الصراع، ترى ميشيل جريه أن المؤشر الميدانى الأهم هو وتيرة الصواريخ الإيرانية، موضحة أن مراقبة معدل إطلاق إيران للصواريخ نحو إسرائيل ودول الخليج والأهداف الأمريكية توفر لنا قراءة دقيقة لمخزونها الاستراتيجى، والتباطؤ فى الضربات قد لا يعنى الرغبة فى السلام، بل قد يشير إلى استنفاد المخزون، أو على العكس إلى جهد متعمد من القيادة الجديدة للحفاظ على أسلحة نوعية تحضيراً لحملة استنزاف طويلة الأمد.
ومن منظور استراتيجى، ترى كارين سودكامب أن هذا الصراع بمثابة الامتحان النهائى للنفوذ الأمريكى فى المنطقة، وتقول: «نحن نراقب مسارين؛ الأول هو مدى قدرة واشنطن على فرض استقرار جديد دون الانزلاق إلى احتلال برى، والثانى هو وضع السكان الإيرانيين الذين سيظلون يعانون من العنف وعدم الاستقرار بغض النظر عن هوية المنتصر؛ فإن مسار الحرب سيحدد ما إذا كانت أمريكا ستظل (ضامنة الأمن) الوحيدة أم أن المنطقة ستبدأ فى البحث عن بدائل».
وتركز هيذر ويليامز، الخبيرة الأمريكية المرموقة، ومديرة مشروع القضايا النووية فى مركز راند، ثقلها التحليلى على «التحول البنيوى» داخل طهران، وترى «ويليامز» أن إيران كما عرفها العالم طيلة 36 عاماً تحت حكم على خامنئى قد انتهت فعلياً بمقتله، وتقول: «المؤشر الذى أراقبه عن كثب هو: أى نوع من الشرعية يمكن للنظام الجديد حشدها؟؛ فهل سيتمكن مجتبى من الحفاظ على تماسك النخبة الأمنية، أم أن غياب والده سيؤدى إلى تفكك مركزية القرار؟.. إن تدهور القوة البحرية والصاروخية هو جانب مادى، لكن تآكل الشرعية السياسية هو ما سيحدد نهاية النظام».
هوارد شاتز: الاقتصاد العالمى سيدخل حالة ركود شامل إذا استمر غلق «مضيق هرمز».. والبدائل غير قادرة على تلبية حجم الطلب على الوقود
ويشير هوارد شاتز إلى أن أسعار النفط وحركة الناقلات فى المضيق ستظل هى «الترمومتر» الذى يقيس مدى اقترابنا من الانفجار العالمى أو التهدئة؛ فإن العودة التدريجية للشحن ستعنى نجاح الردع العسكرى، بينما استمرار التوقف سيعنى أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على خنق العالم اقتصادياً حتى وهى تتلقى الضربات.
وينهى خبراء راند تحليلهم بأن الشرق الأوسط الذى دخل الحرب فى 28 فبراير ليس هو الشرق الأوسط الذى سيخرج منها؛ فهناك «إعادة ضبط قسرية» للتوازنات الإقليمية، وإيران قد تتحول إلى نموذج «عراق التسعينات»؛ معزولة ومحاصرة ولكنها متصلبة داخلياً، بينما ستجد القوى الإقليمية الأخرى نفسها مضطرة للاختيار بين أمن تدعمه واشنطن أو فوضى تقودها صراعات الوكلاء.