«المهدي» يفك الشفرة المصرية

لماذا تظل مصر قادرة على إنتاج العبقرية رغم كل ما مرّت به من أزمات؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يقود إلى رحلة عميقة داخل النفس المصرية، يحاول الإجابة عنه المفكر الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي الشهير، من خلال كتابه اللافت «فك الشفرة المصرية».

في هذا العمل، يمزج «المهدي» بين خبرته العلمية وحسّه الإنساني، ليقدم قراءة خاصة لما يسميه «الشفرة المصرية»، بمشاركة المؤرخ والصحفي سيد الخمار الذي قام بجمع المادة الصحفية، ليخرج الكتاب في صورة تجمع بين العمق والتوثيق والسلاسة. الكتاب لا يكتفي بسرد سير ذاتية، بل يسعى إلى تفكيك «الطاقة الخفية» التي صنعت نماذج استثنائية في وجدان الأمة. من نجيب محفوظ الذي حوّل الحارة إلى كون إنساني متكامل، إلى أم كلثوم التي صنعت من الصوت وجداناً جمعياً، مروراً بالمفكر جمال حمدان الذي أعاد تعريف المكان، والشاعر صلاح جاهين الذي لخَّص روح الشعب في كلمات بسيطة وعميقة.

وتتجلى بصمة المؤلف كطبيب نفسي، إذ يقرأ الشخصيات من الداخل، لا عبر إنجازاتها فقط، بل من خلال هشاشتها الإنسانية أيضاً. فالعبقري -كما يقدمه- ليس بطلاً خارقاً، بل إنسان شديد الحساسية، يرى ما لا يراه الآخرون، ويتألم أكثر، لكنه يحوِّل هذا الألم إلى إبداع.

ولا يتوقف الكتاب عند حدود الأفراد، بل يمتد ليشمل عبقرية المكان والحدث، فيتناول ميدان التحرير كرمز دائم للحراك، ويقرأ ثورة 1919 بوصفها لحظة نفسية جمعية صنعت الوعي الوطني. حتى التفاصيل اليومية، كـ«الفول والطعمية»، تتحول في هذا السياق إلى تعبير حي عن الهوية وقدرة المصري على التكيُّف والبقاء.

اللافت أيضاً تنوع الشخصيات التي يتناولها الكتاب، من محمد متولي الشعراوي إلى محمد صلاح، بما يؤكد أن العبقرية ليست حكراً على مجال بعينه، بل هي حالة مصرية ممتدة تتجلى في الدين، والفن، والعلم، والحياة اليومية.

وإذا كان الكتاب يغوص في النماذج، فإن سيرة مؤلفه لا تقل دلالة. فقد نشأ الدكتور محمد المهدي في بيئة شعبية بمدينة نبروه بمحافظة الدقهلية، بين حي الشيخ عبيد وحارة الكنيسة، وهو ما أسهم في تشكيل شخصيته الوسطية المنفتحة. وُلد عام 1957، وتخرَّج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة الأزهر.

بدأ مسيرته المهنية في مستشفى المنصورة الجامعي ووزارة الصحة، ثم عمل استشارياً للطب النفسي وعلاج الإدمان في المملكة العربية السعودية، قبل أن يلتحق بهيئة التدريس في كلية الطب بجامعة الأزهر، حيث تدرَّج حتى أسَّس ورأس قسم الطب النفسي بفرع الجامعة في دمياط.

كما شغل «المهدي» مواقع علمية ومهنية بارزة، منها مستشار نفسي بمركز الأزهر العالمي للفتوى ودار الإفتاء المصرية، وزميل دولي للجمعية الأمريكية للطب النفسي، وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للطب النفسي. وقد أشرف على عشرات الرسائل العلمية، ونشر أكثر من مائة بحث، وشارك في العديد من المؤتمرات المحلية والدولية.

ولم يقتصر عطاؤه على المجال العلمي، إذ ألَّف نحو ثلاثين كتاباً في مجالات متعددة، واهتم بالأدب كتابةً للقصة والشعر والمقال، وظل مشغولاً بقضايا المجتمع، خاصة ما يتعلق بالشباب والهوية والانتماء ومواجهة التطرف والإدمان.

«المهدي» لا يقدم «فك الشفرة المصرية» مجرد قراءة في سير شخصيات لامعة، بل يطرح رؤية أوسع لاستعادة الثقة في الذات الوطنية، مؤكداً أن هذا البلد الذي أنجب محمد غنيم وأحمد زويل ومجدي يعقوب وعبدالرحمن الأبنودي وعمار الشريعي، لا يزال قادراً على العطاء.

الخلاصة: ربما لا تكون «الشفرة المصرية» لغزاً معقداً.. بل حقيقتها البسيطة أن مصر، رغم كل شيء، لا تتوقف عن الحلم.. ولا عن إنتاج العباقرة.