يحيى الفخراني.. موهبة فطرية (بروفايل)
يحيى الفخراني.. موهبة فطرية (بروفايل)
ظاهرة استثنائية استطاعت كسر القواعد التقليدية للنجومية، فلم يمتلك يوماً ملامح «فتى الشاشة» المعتادة بمقاييس السينما في السبعينات، بل امتلك سمات جعلته واحداً من أبرز نجوم الفن، بداية من الصدق المفرط والموهبة الفطرية، وصولاً إلى الذكاء الحاد في اختيار النصوص.
تغيير المسار المهني
الفنان يحيى الفخراني، لم يكن خروجه من أروقة كلية الطب بجامعة عين شمس في سبعينات القرن الماضي مجرد تغيير في المسار المهني لشاب موهوب، بل كان بمثابة إعلان ولادة لمرحلة جديدة في تاريخ التشخيص الفني، ليُقرر استبدال سماعته الطبية بنصوص شكسبير وسيناريوهات أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبدالقوي.
اعتمد «الفخراني» منذ بداياته فلسفة مغايرة للنجومية، فقد راهن على «الكاريزما» الكامنة في التفاصيل الصغيرة، حيث ظهر ذلك جلياً في فترة الثمانينات من القرن الماضي، عندما قدم نماذج إنسانية شديدة التعقيد.
ومع انتقال «الفخراني»، إلى شاشة التليفزيون، تحوّل إلى «تميمة» الحظ لشهر رمضان، وصار اسمه على تتر أي مسلسل بمثابة صك جودة وضمانة للمشاهدة، ففي «ليالي الحلمية»، لم يكن مجرد ممثل يؤدي دور «سليم البدري»، بل كان يؤرخ لتحوّلات مصر الاجتماعية والسياسية عبر عقود، متنافساً في مباراة تمثيلية تاريخية مع الفنان الراحل صلاح السعدني.
هذه القدرة على التلون جعلته ينتقل بسلاسة من دور الارستقراطي المتعالي إلى دور «حمادة عزو» الذي أبكى الملايين برحيل والدته في مشهد جنائزي صار أيقونة للدراما العربية، وصولاً إلى «شيخ العرب همام» حيث ارتدى جلباب الصعيد وهيبته ببراعة.
المسرح.. محراب يحيى الفخراني
لم يتوقف طموح «الدكتور» عند حدود تقمص الشخصيات المألوفة، بل غامر في مناطق «روحانية» وفلسفية، مثل «الخواجة عبدالقادر»، حيث قدّم تجليات فنية، عندما استعرض رحلة إنسان يبحث عن الله وعن ذاته، أما في مسلسل «ونوس»، تلاعب بعقول الجمهور حينما جسد «الغواية» في صورة إنسان. أما المسرح، فكان ولا يزال هو «المحراب» الذي يعود إليه الفخراني كلما أراد تجديد شغفه، فلم يكتفِ بتقديم الكوميديا الاجتماعية فحسب، ولعل مسرحية «الملك لير» خير دليل، حيث قدّمها في 3 نُسخ مختلفة على مدار الثلاثة عقود الماضية، ليحوّل نص شكسبير المعقد إلى مادة إنسانية مبسطة وفي صورة بصرية ثرية.
عبقرية «الفخراني» الحقيقية تكمن في قدرته المذهلة على تطويع أدواته الجسدية والصوتية لخدمة الفكرة، فهو يمتلك نبرة صوت دافئة قادرة على أن تتحول في لحظة من منتهى الطيبة والأبوة إلى أقصى درجات المكر والخبث، دون أن يفقد المشاهد تعاطفه معه أو انبهاره به. هذه «المرونة» جعلته ينتقل بسلاسة مدهشة بين الكوميديا السوداء في السينما، والتراجيديا العميقة في التليفزيون، والملحمية الكلاسيكية على خشبة المسرح. يحيى الفخراني، يراه الكثيرون أنه وصل إلى قمة مستوى النضج الفني، الأمر الذي يجعله غير منزعج من فكرة الغياب، بل يبقى ما يشغله هو «الأثر»، ليأتي ذلك نتاج رحلة طويلة من التمرد على السائد، جعلت شخصياته الذي جسدها خالدة في ذاكرة الجمهور في مصر والوطن العربي كله.