محمد مسعود يكتب: في عالم يقف على قدم واحدة

كتب: محرر

محمد مسعود يكتب: في عالم يقف على قدم واحدة

محمد مسعود يكتب: في عالم يقف على قدم واحدة

لم يفوِّت «أبوإسماعيل» صباحاً إلا وسعى، خرج كمن يخرجون، وقف مع زملائه من عمال التراحيل الذين يقومون بأعمال شاقة، لم يتأخر يوماً، ولم يتسلل الشك إلى قلبه أنه لا بد من اختياره في إحدى المرات.

أنفق «أبوإسماعيل» عمره وصحته ونزف عمره في هذه المهنة التي تدر القليل، من خلال يومية، لم تعد دائمة، بل قُل نادرة، فبعد أن ذهبت الصحة، واشتعل الرأس شيباً، صار أصحاب الأشغال لا يختارونه، ومن ذا الذي سيختار رجلاً رسمت التجاعيد علامات الشقاء فوق وجهه الشاحب، مهنة رأسمالها الصحة التي ذهبت كما أيام الشباب ولم تعد.

وبمرور المرات شعر باليأس، فكلما خرج، عاد خالى الوفاض، لا يعلم كيف يرد على سؤال زوجته أم إسماعيل عندما تقول له: «خير يا أبوإسماعيل؟»، فيرد مطأطئاً رأسه: «خير يا أم إسماعيل»، وبعدها فترت همته، وقلّ حماسه، وأصبح لا يريد الخروج، كي لا يتجرع الهزيمة في كل مرة، لكن نجحت أم إسماعيل في إقناعه بالخروج، علينا السعى، وعلى الله التوفيق، وخرج «أبوإسماعيل» واثقاً أنه لم يتم اختياره هذه المرة أيضاً.

لكن اليوم، كان عدد العمال قليلاً، وأصحاب الأشغال كثيرين، فوقع عليه الاختيار مع بقية من زملاء الفرز الثاني، وذهب «أبوإسماعيل» للعمل، في قمة نشاطه، فقد استعاد عمله، واستعاد حماسه المفقود، وصحوة همته، لا بد أن الدنيا قررت أن تفتح معه صفحة جديدة، وجميلة، وعندما انتهى من مهماته، وحصل على يوميته، كاد أن يقفز من الفرحة، إنه يريد أن يلمس السماء، وقرر على الفور أنه سيشترى عشرة أرغفة من الخبز الساخن، وحزمة من الخوبيزة، ورطلا من اللحم، وفي عز فرحته الطاغية وابتسامته الكبيرة، شرد لحظات، فماتت الابتسامة على وجهه، وتبددت السعادة في حينها، وماذا لو صرف اليومية في الخبز واللحم والخوبيزة التي يحبها وتحبها «أم إسماعيل»، ماذا سيفعل غداً؟.. هل سيختاره أصحاب الأشغال أم أنها مجرد مرة وكانت لها أسبابها، كاد أن يودع أصدقاءه، أحدهم دعاه للجلوس على المقهى، ليشربوا الشاى، فهو مُختفٍ منذ فترة ولا بد أن أصحابه يفتقدونه.

ذهب إلى المقهى، طلب «شاي وحجر معسل»، وزاد فوقه «تعميرة»، كان لا بد منها حتى ينسى «الغد»، لكنه لم ينسَ، وكأن سيخاً من الأفكار المشتعلة تخترق رأسه، تبع تعميرته الأولى بتعميرة أخرى، ثم «عزم» صديق له على «تعميرة وشاي»، الآن أصبح مزاج «أبوإسماعيل» رائقاً، لقد نسى الغد، وعادت إلى وجهه البسمة، وعلى شفتيه القفشة، وودّع أصدقاءه وهو يسير في خطى غير متوازنة، وعاد إلى منزله وقد أجهز على أجره تماماً، عاد لتستقبله «أم إسماعيل» آملة راجية: «خير يا أبوإسماعيل؟»، فرد كالمسطول: «هع.. خير يا أم إسماعيل».

هذا هو محتوى القصة التي كتبها إحسان عبدالقدوس بعنوان «الغد»، ضمن مجموعته القصصية «منتهى الحب» التي صدرت عام 1957، أراد أن يصف بها الخوف من المستقبل، وكأن اليوم هو الجسر الآيل للسقوط، وفي نهايته مارد ينتظرنا لينهش ما بقى منا، والحقيقة فإن هذه القصة دارت في ذهني أكثر من مرة، مع تساؤل بلا إجابة، شكل المستقبل في ظل حروب وعالم محتقن، يقف على قدم واحدة.

قطعاً.. هذا التساؤل، لا يخص الواقع المصرى، فتبعات هذه الحرب تؤثر على العالم بأسره، ولا يستطيع أعتى المحللين السياسيين توقع نتائج أو مراحل تطور الحرب وما ستسفر عنه المواجهات في النهاية، لذا يعيش العالم كله هذه الحالة، حالة «أبوإسماعيل» التي وصفها إحسان عبدالقدوس منذ عشرات السنين، لكنها مستمرة إلى الآن، العالم خائف، دول قد تُزال من على الخريطة، وإمبراطوريات مهددة، صحيح أن حالنا في مصر، أفضل بكثير، يكفي حالة الأمن والاستقرار التي نعيشها، رغم ما تعرضنا له من إرهاب ومكائد وشائعات ومؤامرات، لكن حالة الخوف والترقب تشغل الكثير من البلدان.. يبدو أن «أولاد أبوإسماعيل»، غزوا العالم.