صراع الحضارات والموتوسيكلات

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

التراشق بالحضارات لن يجدي في ظل هيمنة القوة. الحضارة مهمة، وتصنع فروقاً شاسعة في شعور أبنائها بالانتماء والولاء والهوية الوطنية، المرتكزة على أرض ثابتة صلبة من التاريخ والجغرافيا والإنجازات العلمية والأدبية والفنية، وكذلك في مفهوم المواطنة الذي يقوم في جانب معتبر منه على أسس وقواعد بالغة القوة، ولكن غير مرئية، وربما غير مفهومة لآخرين ينتمون إلى دول حديثة النشأة، حتى وإن كانت أكثر تقدماً وقوة وسطوة.

الحضارة مهمة، ولكنها وحدها لا تكفي لتحقيق انتصار بمفهوم القوة في العصر الحالي. في الوقت نفسه، فإن تعريف الانتصار، وتحديد المنتصر، في حرب مثل تلك الدائرة رحاها منذ اليوم التالي لعملية السابع من أكتوبر 2023، أمر بالغ الصعوبة. ويكفي أن الملايين ترى أن إيران تنتصر، وملايين أخرى ترى أن أمريكا وإسرائيل تنتصران، ولكل معاييره ومفاهيمه، مع الإشارة إلى أن مقومات ومكونات الانتصار تحتوي بالنسبة للبعض على قدر كبير من المشاعر والأحاسيس والأمنيات، تفوق في حجمها قياسات الورقة والقلم في الحروب الحديثة والصراعات طويلة الأمد.

الصراعات طويلة الأمد «تنحت» في عصب الأمم والشعوب، منها ما يؤدي إلى بقاء الحكام على مقاعدهم فترة أطول، ومنها ما يرسخ موقع الدول في ترتيب القوة والبأس والهيمنة العالمية في مؤشرات الجيوش والاقتصاد وفرض السطوة على باقي دول العالم، ومنها ما يبقى بين بينين، فلا هي تنتهي بشكل يسمح بإعادة البناء، أو تستمر بطريقة تؤدي في نهاية الأمر إلى الحسم.

ويضاف إلى الوضع المعقد والمشهد الملتبس إضافة «توابل» الدين والمذهب والعقيدة، وهي التي تضفي هالة تدغدغ مشاعر الشعوب، وتلهب حماس الجموع الحاشدة لتبقى على نقطة الغليان، وحالة الاحتقان، وتسبغ المشهد العبثي بالمكونات الضامنة لاستمراره واستدامته.

الأسوأ من الهزيمة، النصف هزيمة، وذلك لأن نصفها الآخر انتصار. وكلاهما يفقد الآخر معناه، ويسلب الخطوة المقبلة جدواها.

المحصلة النهائية في مثل تلك الأوضاع تلقي بظلالها أولاً وأخيراً على الشعوب، التي تفقد سنوات عمرها في القلق والجزع والمقاومة والنزوح والهروب والجاهزية لما هو أسوأ، إن لم تفقد حياتها.

قدر؟ ربما! لكن القدر لا يمنع من إعادة ترتيب الأوراق، ومواجهة الأفكار، وربما الانتقال، ولو قليلاً من حيز الاعتماد الأوحد على الحضارة والتاريخ، وتوسيع قاعدة البناء لتشمل العلم والتقدم والقوة بمعناها الفعلي، لا الروحاني أو الوجداني أو التاريخي فقط.

وعلى الرغم من أن الموقف أبعد ما يكون عن الكوميديا أو الضحك، إلا أنني ضحكت كثيراً وأنا أتابع وسائل الإعلام العالمية المرموقة وهي تطرح على المتابعين والمشاهدين سؤال الحلقة: في رأيكم، من الذي انتصر في حرب إيران حتى اللحظة؟

شر البلية ما يضحك. وشر الحروب ما تداخلت فيها خيوط النصر مع خطوط الهزيمة. أما عبارة «حتى الآن» فتلخص فداحة الواقع. الحرب لم تنته بعد، وعلى الأرجح لن تنتهي في المستقبل القريب، حتى لو استمرت «الهدنة» شهوراً. ستظل المنطقة على صفيح ساخن.

على أية حال، نتابع الحرب التي تلقي بظلالها علينا، سواء من حيث الأسعار أو التهديدات الأمنية أو انغماس «خوابير» السوشيال ميديا في التحليل والتعليل والتفسير. قدرنا؟ ربما. لكن قدرنا يحتم علينا الالتفات لأمورنا وعلمنا وتعليمنا وتصنيعنا وزراعتنا واقتصادنا وفننا وأدبنا في نفس الوقت.

في نفس الوقت، لا يمكن ترك شوارعنا ومياديننا بهذا الشكل العشوائي وتلك الصورة التي لا تمت بصلة لحضارة سبعة آلاف سنة، ومكانتنا التاريخية، وموقعنا الجغرافي، ومستقبلنا الذي نطمح إليه. وكأن فيروس السير العكسي في وضح النهار، وقادة المركبات الذين لا يعرفون ألف باء قواعد القيادة وقواعد التخطى ومعاني الخطوط واللافتات، واعتبار التوقف الفجائي وتنزيل الركاب وتحميلهم في منازل الكباري ومطالعها، والمواقف العشوائية لسيارات السرفيس، بما في ذلك «الثمناية» المرخصة ملاكي، وعودة البعض لنزع أو طمس لوحات الأرقام، وهذه الفوضى العارمة في الملصقات من عبارات ومشايخ ورسوم على زجاج المركبات، بما في ذلك باصات النقل العام لم تكن تكفي، فإذ بجيوش الدراجات النارية، وكذلك الهوائية، تغزو الشوارع والحارات والأرصفة في كل الاتجاهات.

تنوي عبور الطريق، فتنظر يميناً، وبينما تستعد للجري حيث الشارع يخلو من إشارة مرور، فإذ بـ«موتوسيكل» يأتي عكس الاتجاه. تمسك في خناقه لأنه يسير عكس الاتجاه، يرميك بشتائم وسباب لأنك لم تتخذ حيطتك قبل عبور الشارع، ويضيف أن الموتوسيكلات تسير في كل الاتجاهات. تنظر خلفك، تجد الرصيف وقد تحول إلى طريق «رايح جاي» للموتوسيكلات. تستعين بأمين شرطة، فيطيب خاطرك بكلمتين. أما المارة، فيصطفون خلف قائد الموتوسيكل. لماذا؟ لأنه غلبان وطالما لم يدهسك، فمافيش مشكلة والمسامح كريم.

حين يسأل سائح: هل القوانين عندكم تلزم قائد السيارة الحصول على رخصة قبل القيادة؟ فهذا عار علينا. وحين يكتب الزوار عن خبراتهم أثناء زيارة أم الدنيا عن روعة البلد، وعظمة الشعب، مع وجود ثغرة اسمها فوضى مرورية كاملة، هل يعني ذلك شيئاً؟!