أول رجل نظر إلى الأرض من السماء

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

منذ 65 عاماً وفي مثل هذا اليوم، كان هناك رجل على موعد مع القدر، موعد مع تغيير التاريخ، الرجل هو يوري جاجارين، أول من رأى كوكب الأرض من الفضاء، وكأنه يطل من نافذة بيته على حديقة، بنفس السهولة، لكن ليس بنفس الاعتياد والألفة، من المؤكد أنه ارتعش من فرط الدهشة، هل بكى؟ هل ضحك؟ هل أحس بالفخر وهو في كبسولة الفضاء فوق الأرض، أم بالضآلة وهو يرى موقعه على الكوكب كذرة تراب؟!

لا أحد رصد مشاعره بدقة، بنفس الدقة التي رصدوا بها نبضه وضغطه وأنفاسه، لا أعرف هل سأله عبدالناصر عن تلك المشاعر عندما استقبله بعد رحلته بعام، ومنحه قلادة النيل، أم اكتفى بالتكريم؟ لكن ما قصة رحلة جاجارين؟ في صباح الثاني عشر من أبريل عام 1961، لم يكن العالم على موعد مع خبر عادي، بل مع لحظة ستعيد تعريف الإنسان نفسه، في ذلك اليوم، انطلق الشاب السوفيتي يوري جاجارين على متن المركبة فوستوك-1 (Vostok 1)، ليصبح أول إنسان يغادر الأرض ويعود إليها حياً، فاتحاً الباب لعصر جديد اسمه «عصر الفضاء».

لم تستغرق الرحلة سوى 108 دقائق، لكنها كانت كافية لتغيير التاريخ، انطلقت المركبة من قاعدة بايكونور، وارتفعت بسرعة مذهلة حتى دخلت مداراً حول الأرض على ارتفاع يقارب 327 كيلومتراً، بسرعة بلغت نحو 27 ألف كيلومتر في الساعة، في تلك اللحظات، لم يكن جاجارين مجرد رائد فضاء، بل كان ممثلاً للبشرية كلها، يختبر للمرة الأولى سؤالاً كان يبدو خيالياً: هل يستطيع الإنسان أن يعيش خارج كوكبه؟

الإجابة جاءت هادئة وبسيطة، لكنها عظيمة الأثر، دار جاجارين دورة كاملة حول الأرض، ورأى ما لم يره إنسان قبله، لم ير حدوداً سياسية، ولا دولاً، بل كرة زرقاء هادئة تطفو في ظلام الكون، جملته الشهيرة: «الأرض جميلة جداً» لم تكن مجرد وصف بصري، بل كانت اكتشافاً فلسفياً؛ اكتشاف أن ما يفصل البشر ويفرقهم أقل بكثير مما يجمعهم ويصنع تلاحمهم، لكن الرحلة لم تكن سهلة أو مضمونة، التكنولوجيا كانت في بداياتها، والمخاطر غير محسوبة بالكامل.

لم يكن العلماء متأكدين حتى من قدرة الإنسان على الحفاظ على وعيه في حالة انعدام الجاذبية، لذلك، صُممت المركبة بحيث تعمل بشكل شبه آلي، وعند العودة، لم تهبط الكبسولة بسلام كامل، بل اضطر جاجارين إلى القفز منها بالمظلة على ارتفاع عدة كيلومترات قبل أن يهبط على الأرض في أحد الحقول الريفية، أهمية هذه الرحلة لم تكن علمية فقط، بل سياسية أيضاً.

جاءت في قلب الحرب الباردة، لتمنح الاتحاد السوفيتي سبقاً هائلاً في سباق الفضاء ضد الولايات المتحدة، لكنها، في المقابل، كانت أيضاً لحظة إنسانية جامعة، إذ شعر العالم كله بأن إنجازاً بهذا الحجم يتجاوز الأيديولوجيا، وينتمي للبشرية جمعاء، لقد أثبتت رحلة جاجارين أن الإنسان قادر على تجاوز حدوده البيولوجية والجغرافية، وأن الخيال يمكن أن يتحول إلى واقع، ومن بعدها، لم يعد الفضاء مجرد سماء بعيدة، بل صار امتداداً طبيعياً لطموح الإنسان، ومن تلك الدقائق الـ108.

بدأت سلسلة من الإنجازات: السير في الفضاء، الهبوط على القمر، بناء محطات فضائية، والسعي اليوم نحو المريخ، هكذا، لم تكن رحلة جاجارين مجرد مغامرة فردية، بل كانت إعلاناً بأن الإنسان، ذلك الكائن الصغير على كوكب أزرق، لا يكتفي بمجرد النظر إلى السماء كحلم، لكنه قادر على التحليق، قادر على اقتحامها وتحقيق حلمه والانتصار على عجزه.