د. القس أندريه زكي يكتب: القيامة.. قوة الرجاء في مواجهة مخاوف الواقع

كتب: مريم شريف

د. القس أندريه زكي يكتب: القيامة.. قوة الرجاء في مواجهة مخاوف الواقع

د. القس أندريه زكي يكتب: القيامة.. قوة الرجاء في مواجهة مخاوف الواقع

فى ظل عالم يموج بالصراعات، وتتصاعد فيه الأزمات الاقتصادية، وتزداد فيه حالة عدم اليقين، يعيش الإنسان المعاصر تحت ضغط مستمر من الخوف. لم يعد الخوف حالة استثنائية، بل أصبح ثقافة يومية. من هنا تبرز أهمية القيامة، ليس فقط بوصفها عقيدة إيمانية، بل بصفتها قوةً عمليةً لمواجهة هذا الواقع.

الشرق الأوسط اليوم يقدم نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته بـ«ثقافة الموت». حروب مستمرة، نزاعات إقليمية، قوى دولية تتصارع على النفوذ، وشعوب تدفع الثمن. فى مثل هذا السياق، يصبح الخوف من المستقبل أمراً طبيعياً: الخوف من الحرب، من الفوضى، من فقدان الأمان.

ونشكر الله أنه فى وسط المشهد، تبرز حالة خاصة، وهى مصر. فى قلب منطقة مضطربة، تمثل مصر نموذجاً للاستقرار والأمان والحكمة فى المواقف السياسية والدولية. هذا الاستقرار لا يُنظر إليه فقط على أنه إنجاز سياسى، بل قيمة يجب الحفاظ عليها. فالدولة الوطنية، حين تكون قوية، تصبح حاجزاً أمام الانزلاق إلى الفوضى.

احتفالنا بالقيامة هنا يضيف بُعداً أعمق؛ فقيامة المسيح لا تقدم أملاً زائفاً ولا مجرد مسكِّن أو مهدِّئ فى وجه الخوف، هى لا تدعو لإنكار المخاطر، بل إلى عدم الخضوع لها. إذا كان الموت قد فقد سلطانه، فإن الخوف الذى ينبع منه يفقد بدوره شرعيته.

أحد أبرز مظاهر هذا الخوف اليوم هو القلق الاقتصادى؛ تحديات موارد الطاقة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتذبذب الأسواق، وضغط الحياة اليومية، كلها عوامل تجعل الإنسان يعيش فى حالة توتر دائم. بالنسبة لكثيرين، هذا النوع من القلق يشبه «موتاً بطيئاً».

لكن رسالة القيامة تقدم منظوراً مختلفاً. الإله الذى غلب الموت ليس بعيداً عن احتياجات الإنسان اليومية. الثقة هنا لا تعنى السلبية، بل تعنى العمل مع الرجاء. لذلك، يصبح التكافل الاجتماعى ضرورة، لا خياراً. أن يسند الناس بعضهم البعض هو تعبير عملى عن الإيمان بالحياة.

جانب آخر لا يقل أهمية هو معاناة المغتربين. ملايين الأشخاص يعيشون بعيداً عن أوطانهم، يحملون مسئوليات ثقيلة، ويواجهون ظروفاً غير مستقرة. القلق على العمل، على الإقامة، وعلى مستقبل العائلة، يشكل عبئاً نفسياً كبيراً.

فى هذا السياق، تقدم القيامة رسالة طمأنينة: الحضور الإلهى لا يرتبط بمكان. كما أن المسيح شارك الإنسان فى ضعفه، فهو حاضر معه فى غربته. هذا الحضور يمنح الإنسان ثباتاً داخلياً، حتى فى أكثر الظروف تقلباً.

تقدم القيامة إجابة جذرية على سؤال الخوف: إذا كان الموت نفسه قد هُزم، فما الذى يمكن أن يخيف الإنسان؟ هذا لا يعنى غياب التحديات، بل يعنى إعادة تعريفها. لم تعد التحديات نهاية الطريق، بل جزء من رحلة تُختتم بالحياة، لا بالموت. لذلك، يعيش المؤمن بالقيامة بمنطق مختلف: يرى الخطر، لكنه لا يستسلم له. يشعر بالألم، لكنه لا يفقد الرجاء. يواجه الواقع، لكنه لا يُختزل فيه.

القيامة، فى جوهرها، ليست فقط خبراً عن الماضى، بل قوة للحاضر، وضمان للمستقبل. إنها دعوة للعيش بثقة، والعمل بأمل، والاستمرار رغم كل شىء.

لكن القيامة لا تكتفى بتقديم عزاء فردى، بل تدعو إلى موقف جماعى. مجتمع القيامة هو مجتمع يصنع الحياة: يدعم الاستقرار، يرفض العنف، ويعزز السلام. لا يكتفى برد الفعل، بل يبادر بالفعل الإيجابى.

من هنا، تصبح الصلاة من أجل الوطن، والعمل من أجل استقراره، والمساهمة فى بنائه، جزءاً من التعبير عن الإيمان. الإيمان ليس انعزالاً عن الواقع، بل انخراط فيه بروح مختلفة.

إننا نرفع صلاتنا إلى الله من أجل وطننا العزيز، أن يظل حصناً للسلام وموطناً للأمان، وأن يمنح قيادته الحكمة فى كل قرار، ويُعضِّد كل جهدٍ صادق نحو البناء والاستقرار. نصلى أن يحفظ الله شعبه، ويبارك أرضه، ويجعل مستقبلنا مملوءاً رجاءً وثباتاً.

* رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر


مواضيع متعلقة