مفاوضات «إسلام آباد»: إيران تتمسك بالتعويضات.. والولايات المتحدة ترفض «رسوم عبور مضيق هرمز»

كتب: محمد علي حسن

مفاوضات «إسلام آباد»: إيران تتمسك بالتعويضات.. والولايات المتحدة ترفض «رسوم عبور مضيق هرمز»

مفاوضات «إسلام آباد»: إيران تتمسك بالتعويضات.. والولايات المتحدة ترفض «رسوم عبور مضيق هرمز»

استضافت العاصمة الباكستانية إسلام آباد، أمس، أول أيام المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1979، بعد 6 أسابيع من اندلاع الحرب بين الجانبين، فى خطوة تترقبها أنظار العالم أجمع، وذكرت وكالة أنباء «تسنيم» الإيرانية أن الوفد المشارك فى المفاوضات فى إسلام آباد يتألف من 71 شخصاً، من بينهم مفاوضون وخبراء وممثلون عن وسائل الإعلام وعناصر أمنية، وترأس الوفد الإيرانى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجى. وبالنظر إلى تعقيد وحساسية المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، فإن الوفد الإيرانى لا يضم المفاوضين الرئيسيين فحسب، بل يضم أيضاً لجاناً فنية وخبراء لإجراء المشاورات اللازمة، بحسب «تسنيم».

وبحسب شبكة «سى إن إن»، الإخبارية الأمريكية، ترأس الوفد الأمريكى نائب الرئيس جى دى فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب. وأعلن مسئول باكستانى أن محادثات وجهاً لوجه أُجريت بين «فانس وويتكوف وكوشنر وقاليباف وعراقجى». وأشاد مصدر باكستانى رفيع، لـ«سى إن إن»، بدور «فانس» فى دفع الطرفين نحو المسار الدبلوماسى، مؤكداً أن نائب الرئيس الأمريكى كان عنصراً حاسماً فى إطلاق هذه الجولة من المحادثات، التى يُتوقَّع أن تستمر عدة أيام بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، كما أعربت «إسلام آباد» عن رغبتها فى بقاء «فانس» لفترة أطول لتعزيز فرص النجاح.

فى المقابل، كشفت مصادر للشبكة الأمريكية عن حالة من عدم الثقة لدى «طهران» تجاه «ويتكوف»، الذى شارك فى جولات تفاوض سابقة توقفت عقب الضربات الأمريكية على الأراضى الإيرانية، رغم مشاركته ضمن الوفد الحالى.

وعلى خلاف التجارب السابقة، ولا سيما خلال ولاية الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما، حين قاد وزير الخارجية جون كيرى مفاوضات طويلة مع نظيره الإيرانى جواد ظريف آنذاك، استمرت لأكثر من عام، تبدو هذه الجولة الحالية مختلفة جذرياً، إذ تشير المعطيات إلى غياب التحضيرات الدبلوماسية الكافية، وعدم وضوح جدول الأعمال بشكل كامل، وفق «سى إن إن».

وكان الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب أعلن هدنة لمدة أسبوعين لتهيئة الأجواء، إلا أن هذه الهدنة بدت هشة، فى ظل استمرار التوترات، وفشل شرط واشنطن بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل «كامل وآمن وفورى».

«عراقجى»: نخوض المفاوضات وسط انعدام كامل للثقة

وبحسب «سى إن إن»، تتمسك إيران بضرورة توسيع نطاق وقف إطلاق النار ليشمل لبنان، حيث تدعم «حزب الله»، وهو ما اعتبره الجانب الأمريكى سوء فهم، ويعكس هذا التباين عمق الخلافات التى لا تزال قائمة، فى وقت لا توجد فيه مؤشرات واضحة على تقارب فعلى بين الطرفين.

محللون أمريكيون: سقف التوقعات لا يزال منخفضاً نظراً لتعقيد الملفات المطروحة

ويرى خبراء تحدثوا إلى الشبكة الأمريكية أن سقف التوقعات لهذه المحادثات لا يزال منخفضاً، نظراً لتعقيد الملفات المطروحة، وعلى رأسها البرنامج النووى الإيرانى وتخصيب اليورانيوم، إضافة إلى السيطرة على مضيق هرمز، الذى يمثل ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران.

فمن منظور واشنطن، تعرضت القدرات العسكرية والصناعية الإيرانية لضربات كبيرة، أثرت على برامج الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، فضلاً عن البرنامج النووى، أما من وجهة نظر طهران، فإن هذه الخسائر قابلة للاحتواء، خاصة مع احتفاظها بورقة مضيق هرمز، التى تمنحها قدرة على التأثير فى الاقتصاد العالمى.

وتحمل هذه المحادثات وجهين متناقضين؛ فمن ناحية قد تضفى شرعية على واقع استراتيجى جديد يمنح إيران نفوذاً أكبر، خاصة إذا ما عُقد اللقاء بشكل علنى بين «فانس» والقيادة الإيرانية.

ومن ناحية أخرى، قد تمثل هذه الخطوة كسراً لأحد المحظورات التاريخية فى السياسة الإيرانية، والمتمثل فى رفض التواصل المباشر مع الولايات المتحدة، التى لطالما وصفتها طهران بـ«الشيطان الأكبر»، ويرى بعض المحللين أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام تصدعات داخلية فى بنية النظام الإيرانى. وتشير تقديرات إلى أن أفضل نهج يمكن أن تتبعه واشنطن هو نموذج رونالد ريجان فى تعامله مع الاتحاد السوفيتى، عبر الجمع بين الانفتاح الدبلوماسى والتمسك الصارم بالشروط، وهو ما قد يضع طهران أمام خيارين؛ إما التنازل أو مواجهة مزيد من الضغوط الاقتصادية والعسكرية.

فى المقابل، تراهن إيران على ورقة مضيق هرمز، لكنها قد تواجه مخاطر المبالغة فى استخدامها، خاصة فى ظل تمركز القوات الأمريكية بالقرب من المنطقة واستعدادها للتدخل فى حال فشل المسار الدبلوماسى. وأبلغ وفد إيران فى محادثات «إسلام آباد» رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، بمقترحات طهران وخطوطها الحمراء، فى المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وأوضح مراسل التليفزيون الإيرانى أن الخطوط الحمراء تشمل «مضيق هرمز، ودفع تعويضات عن الحرب، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمَّدة، ووقف إطلاق النار فى أنحاء المنطقة».

إلى ذلك، أعرب رئيس الوزراء الباكستانى عن إشادته بالتزام وفدى إيران والولايات المتحدة بالانخراط البناء فى محادثات وقف إطلاق النار التى استضافتها بلاده، أمس.

ويتمسك كل طرف بمطالب متعارضة للتوصل إلى اتفاق يُنهى الحرب، فيما يظل ملف حرية الملاحة عبر مضيق هرمز والحرب الإسرائيلية فى لبنان من القضايا الرئيسية التى يتعين حلها. وأضاف «شريف»، فى بيانٍ، عقب لقائه بنائب الرئيس الأمريكى، جى دى فانس، فى «إسلام آباد»، أنه يأمل أن تشكل هذه المحادثات خطوة فى تحقيق سلام دائم بالمنطقة.

وبعد لقاء الوفد الإيرانى فى «إسلام آباد» برئيس الوزراء الباكستانى شهباز شريف، كشف مسئول إيرانى رفيع عن أن أمريكا وافقت على الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمَّدة الموجودة فى قطر وبنوك أجنبية أخرى. كما أضاف المصدر، أمس، أن «طهران ترى ذلك اختباراً لحُسن النية ودليلاً على جدية بشأن التوصل لاتفاق سلام دائم»، وفق ما نقلت وكالة رويترز. لكنه أوضح أن «الإفراج عن الأصول مرتبط أيضاً بشكل مباشر بضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز قبل أى اتفاق سلام دائم».

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية بأن الوزير عباس عراقجى أكد، فى اتصال مع نظيره الألمانى، ضرورة وقف هجمات إسرائيل على لبنان، وأضاف أن إيران تدخل المفاوضات وسط انعدام كامل للثقة بسبب عدم التزام واشنطن بعهودها، وخيانتها للدبلوماسية. وقال محمد رضا عارف، نائب الرئيس الإيرانى: «إذا تفاوضنا مع من يمثلون (سياسة أمريكا أولاً)، وليس (إسرائيل أولاً) فقد نتوصل إلى اتفاق»، وأضاف «عارف»: «إننا مضطرون للدفاع عن أنفسنا بقوة أكبر من الماضى، والعالم سيتحمل تكاليف أكبر».

ومن جانبه، أعلن الرئيس الأمريكى، أمس، الانطلاق الرسمى للمفاوضات بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية فى العاصمة الباكستانية «إسلام آباد»، وقال «ترامب» فى تصريحات صحفية: «الأمر لن يستغرق طويلاً لندرك ما إذا كان الوفد الإيرانى يتصرف بحُسن نية أم لا».

فى المقابل، نفى مسئول أمريكى كبير ما أشيع عن موافقة الإدارة الأمريكية على الإفراج عن بعض الأصول الإيرانية، قائلاً إن هذه الأنباء غير دقيقة، وفق ما نقلت «فرانس برس»، وأضاف فى بيان صادر عن البيت الأبيض: «هذا غير صحيح».

وكان هذا الملف (الأصول المجمَّدة) من ضمن الشروط الأولية التى تمسَّك بها الجانب الإيرانى من أجل بدء المحادثات المباشرة مع الوفد الأمريكى، إلى جانب وقف إطلاق النار فى لبنان، إلا أن واشنطن وتل أبيب أعلنتا سابقاً أن وقف إطلاق النار المؤقت لا يشمل لبنان، بينما أصرت إيران على أنه مشمول.

كما أوضحت الإدارة الأمريكية أنها منفتحة على تخفيف كبير للعقوبات، لكن فقط مقابل تنازلات من طهران بشأن برامجها النووية والصاروخية. وأعرب الرئيس الأمريكى عن تفاؤله بشأن مضيق هرمز، مؤكداً أنه «سيُفتح قريباً» أمام حركة التجارة الدولية.

وقال «ترامب» إن أعداداً هائلة من ناقلات النفط «الفارغة تماماً، وبعضها من أكبر الناقلات فى العالم»، تتجه الآن إلى الولايات المتحدة لتحميل «أفضل أنواع النفط والأكثر جودة، وكذلك الغاز، فى أى مكان فى العالم»، وأضاف فى منشور على «تروث سوشيال»: «لدينا نفط أكثر من أكبر اقتصادين نفطيين تاليين مجتمعين، وبجودة أعلى، نحن فى انتظاركم». وأدى إغلاق مضيق هرمز منذ اندلاع حرب إيران إلى عرقلة إمدادات النفط والغاز من المنطقة. وفى اتصال هاتفى مع مراسلة قناة «نيوز نيشن»، كيلى ماير، بشأن منشوره، قال «ترامب» إن «العديد من السفن تتجه الآن إلى الولايات المتحدة لتحميل النفط، لدينا منه الكثير». وأضاف أن «هذا ليس بسبب أن إيران لم تفتح مضيق هرمز، لأن المضيق سيُفتح فى المستقبل غير البعيد».

ووصف «ترامب» إيران بأنها «دولة فاشلة»، وتابع: «لكننى أعتقد أن الناس بدأوا يرون أن هناك بدائل أخرى، بدلاً من المرور عبر مضيق هرمز».

وأشار إلى أن فريق التفاوض الأمريكى، الذى يضم نائب الرئيس جى دى فانس والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، سيعقد اجتماعاً، السبت، مع إيران، قائلاً: «لدينا فريق جيد، وسنرى كيف ستسير الأمور». وأكد «ترامب» أن الولايات المتحدة «لن تسمح» لإيران بفرض رسوم على المرور عبر مضيق هرمز، مشدداً على أنه «ممر مائى دولى».

ورداً على سؤال بشأن احتمال فرض رسوم على السفن، أجاب: «لن نسمح بذلك، إنه ممر مائى دولى، وإذا كانوا يفعلون ذلك، ولا أحد يعرف إن كانوا يفعلون ذلك، فلن نسمح بحدوثه».

وقال «ترامب»: «بحرية إيران وقوتها الجوية اختفتا، ومنظوماتها المضادة للطائرات أصبحت فى حكم العدم، ومصانع إيران للصواريخ والطائرات المسيَّرة دُمِّرت إلى حد كبير، والأهم من ذلك كله أن قادتها قُتلوا، والورقة الوحيدة لدى إيران حالياً هى التهديد باحتمال أن تصطدم إحدى السفن بألغامها البحرية، وبدأنا الآن تطهير مضيق هرمز من الألغام، وهى خدمة لدول بينها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وفرنسا وألمانيا».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين الأمريكى والإيرانى فى «إسلام آباد»، أكدت الخارجية الإيرانية أن «الوفد الإيرانى فى إسلام آباد على تواصل مستمر مع القوات المسلحة الإيرانية ومع لبنان، لمتابعة أى انتهاكات لوقف إطلاق النار». كما أوضح المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائى، أمس، أن وفد بلاده شدد، خلال اللقاءات فى العاصمة الباكستانية، على أهمية الالتزام بنظام وقف إطلاق النار فى لبنان، وفق ما نقل التليفزيون الرسمى. وقال «بقائى»: «وقف إطلاق النار فى لبنان يُعد شرطاً أساسياً بالنسبة لنا، وهناك حوار مستمر بيننا وبين بيروت لضمان وقف إطلاق النار على جميع الجبهات».

وأوضح أن إيران سلَّمت باكستان جميع مطالبها من الولايات المتحدة، بناء على الخطة المقترحة المكونة من 10 بنود. ووفقاً لوسائل إعلام أمريكية، أوضح مصدر أمريكى أنه «من الناحية النظرية، يريد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق، لكنه يستعد أيضاً لاستئناف الحرب»، وقال: «لقد أغضبه سلوك الإيرانيين، إنهم يحرجونه نوعاً ما»، وفق ما نقل موقع «أكسيوس».

فيما أشار مسئولون أمريكيون إلى أنه من غير الواضح ما إذا كان من الممكن تحقيق أى تقدم ذى مغزى فى الجولة الأولى من المفاوضات، لكنهم أعربوا عن أملهم بأن يكون الأمر أكثر من مجرد اجتماع احتفالى، ورأوا أن التوصل إلى اتفاق سيستغرق أسابيع إن لم يكن شهوراً، ومن المرجَّح أن يتطلب تمديد وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.

لكن المسئول الأمريكى أكد أن ذلك (تمديد وقف النار) لن يحدث إلا إذا عاد نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس، الذى يرأس وفد بلاده إلى باكستان، بنوع من الإنجازات، علماً أن إرسال «فانس» يشكل إشارة إلى أن الولايات المتحدة جادة، إلا أن بعض المسئولين قلقون من أن إرسال مثل هذا المسئول رفيع المستوى قد يكون سابقاً لأوانه، حيث لم يتم وضع سوى القليل من الأسس للمفاوضات.

فى سياق منفصل، أفاد مراسل «أكسيوس» على «إكس»، نقلاً عن مسئول أمريكى قوله، إن عدة سفن تابعة للبحرية الأمريكية عبرت من مضيق هرمز أمس. وأضاف المسئول أن هذه الخطوة لم يتم تنسيقها مع إيران، مشيراً إلى أن هذه هى المرة الأولى التى تمر فيها سفن حربية أمريكية المضيق منذ بداية الحرب. وبالتزامن مع المفاوضات، أعلنت وزارة الدفاع السعودية عن وصول قوة عسكرية من باكستان إلى قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية بالقطاع الشرقى ضمن اتفاقية الدفاع الاستراتيجى المشترك الموقعة بين البلدين الشقيقين.

وأضافت الوزارة، فى بيان، أن القوة الباكستانية تتكون من طائرات مقاتلة ومساندة تابعة للقوات الجوية الباكستانية بـ«هدف تعزيز التنسيق العسكرى المشترك، ورفع مستوى الجاهزية العملياتية بين القوات المسلحة فى البلدين، وبما يدعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمى والدولى».


مواضيع متعلقة