يسرا زهران تكتب: الصين تنتصر في الحرب الأمريكية ضد إيران!
يسرا زهران تكتب: الصين تنتصر في الحرب الأمريكية ضد إيران!
ردَّت الصين بالحظر الذي فرضته على تصدير المعادن النادرة والذي غيَّر تماماً من نبرة الحديث داخل البيت الأبيض، وصارت السياسة غير المعلنة للمسئولين فيه هي: «سوف ننتظر اللحظة المناسبة، لا يمكننا توجيه ضربة للصين حتى نكسر قبضتها المحكمة على المعادن النادرة التي أصبحت تمثل نقطة اختناق للاقتصاد العالمي».
عندما أصدر «إدوارد فيشمان» الدبلوماسي الأمريكي السابق، والاقتصادي وخبير العلاقات الدولية الحالي كتابه الذي حمل عنوان: «نقاط الاختناق: القوة الأمريكية في عصر الحروب الاقتصادية» قبل شهور من الحرب الأمريكية العسكرية ضد إيران، كان يتنبأ بما يمكن أن يحدث للاقتصاد العالمي لو أن دولة ما قررت أن تحكم إغلاق قبضتها على نقطة اختناق جغرافية تمر منها شرايين الطاقة التي يعتمد عليها العالم، مثل مضيق «هرمز»، وكان يحكي في كتابه أيضاً، عن تلك اللحظات التي شهدها خلال عمله مستشاراً لوزراء الخزانة والخارجية الأمريكية، وكخبير في تصميم العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد كل من روسيا وإيران في عهد الرئيس الأسبق «باراك أوباما»، والتي حاولت بها أمريكا أن «تخنق» خصومها اقتصادياً من خلال سيطرتها على نقاط حيوية في النظام المالي العالمي.

ثم اندلعت الحرب الأمريكية ضد إيران، ليعلن «فيشمان» أن نقاط الاختناق في عالم اليوم لم تعد جغرافية ولا مالية فقط، وإنما صار هناك شريان حيوي آخر، يكون لمن يتحكم فيه كلمة حاسمة فيما يجري على الأرض حتى إن كان بعيداً جغرافياً عنه. هذه النقطة الجديدة التي يمكن أن يختنق فيها وعبرها الاقتصاد العالمي، هي شريان المعادن النادرة الذي يغذي كل أعصاب وخلايا الصناعات التكنولوجية الحديثة في العالم كله، وأي ضغط لإغلاق أي نقطة فيه يمكن أن يصيب العالم بالشلل. في ذلك الشريان الجديد تمتلك الصين اليد العليا، على نحو يلعب دورا خفياً في الحرب الأمريكية ضد إيران، ويضع بصمته على تداعياتها، بل وربما كان حتى سبباً في انطلاقها من الأساس.
مؤلف كتاب «نقاط الاختناق»: حرب إيران تمنح نفوذاً هائلاً للصين التي تتحكم في تحول العالم للطاقة النظيفة بعد أزمة النفط في «هرمز»
كتاب «فيشمان» تحول بين ليلة وضحاها إلى مرجع بالنسبة لوسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية التي تحاول أن تفهم من يمتلك ورقة الضغط الأكثر تأثيراً في عالم اليوم، لكن إدوارد فيشمان نفسه، كان أفضل مَن يمكنه تطبيق مبادئ الحروب الاقتصادية، أو حروب «عنق الزجاجة» أو نقاط الاختناق التي تحدث عنها في كتابه، على المشهد الحالي في مضيق «هرمز»، فأجرى لقاء عبر حلقات إذاعية (بودكاست) تابعة لصحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، أوضح فيها كيف غيرت هذه الأزمة الأخيرة من توازنات القوى وأسواق الطاقة العالمية، بعد أن أصبحت نقاط الاختناق، سواء الجغرافية أو المالية أو التكنولوجية، هي ساحات التنافس والصراع الجديد بين الأقطاب التي تسعى للهيمنة على عالم جديد.
«فيشمان» يمتلك رؤية أكثر اتساعاً عما نراه في المتابعات الإخبارية اللحظية، وهو يدرك أن ما يجري في مضيق «هرمز» في إيران أمر له تداعيات واسعة على المدى الطويل. يرى «فيشمان» أن العالم كله بعد تلك الأزمة، والتهديد الذي واجهته خطوط نقل النفط والغاز الطبيعي فيها، قد صار يفكر جدياً في التحول إلى الطاقة النظيفة، بما تعنيه من التحول نحو استخدام السيارات الكهربائية وألواح الطاقة الشمسية وغيرها. هذا الأمر يعني حدوث تحول جذري في الحرب الاقتصادية العالمية التي تدور رحاها حالياً بين القطبين الكبيرين: الولايات المتحدة والصين.
لقد ظلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تردد أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى الطاقة النظيفة، ولا إلى سيارات كهربائية ولا للاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، مثل ألواح الطاقة الشمسية لأن الولايات المتحدة تمتلك فائضاً من النفط والوقود الأحفوري داخل أراضيها. والواقع، وفقاً لـ«فيشمان»، أن هذه الرؤية لا تخلو من الصواب، إذ إن الولايات المتحدة هي بالفعل، واحدة من الدول القليلة التي يملك اقتصادها القدرة على الاستمرار حتى من دون التحول إلى اقتصاد قائم على الطاقة النظيفة، لكنها لا تستطيع أن تمنع باقي العالم من السعي للتحول إلى الاعتماد على هذه الطاقة النظيفة كبديل للنفط والغاز، خاصة أن أهم مَن يسعون إلى هذا التحول هم حلفاء أمريكا في آسيا وأوروبا.

ولو تم هذا التحول كما هو مخطط له فسيعني هذا أن صاحبة اليد العليا في اقتصاد الطاقة النظيفة، ستكون هي الغريم اللدود للولايات المتحدة حالياً: الصين. يقول «فيشمان»: «إن الصين هي التي تسيطر حالياً على كل الصناعات المتعلقة باستخدام الطاقة النظيفة، بداية من السيارات الكهربائية وحتى البطاريات اللازمة لتشغيلها مع غيرها من أجهزة الاتصالات، وألواح الطاقة الشمسية. هذا الأمر سوف يمنح الصين تفوقاً ملحوظاً على حلفاء الولايات المتحدة في المرحلة المستقبلية. هذه هي التداعيات الاقتصادية والجغرافية العميقة وبعيدة المدى عما يحدث حالياً في إيران: أن هذه الحرب ستفضي إلى منح نفوذ هائل لـ«بكين».
السيناريو الأسوأ لما يمكن أن تفعله إيران: فتح المضيق لمرور شحنات الغاز الطبيعي لخفض أسعاره عالمياً وتوجيه ضربة جديدة للولايات المتحدة
إلا أن الطاقة النظيفة ليست هي وحدها التي تمنح نفوذاً هائلاً للصين في المستقبل بعد أزمة «هرمز». هناك صناعة مستقبلية أكثر حيوية تتسبب في معركة شرسة أخرى بين الولايات المتحدة والصين، هي صناعة الرقائق أو الشرائح الإلكترونية المعروفة باسم «أشباه الموصلات»، والتي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي بشكل جوهري، بالإضافة إلى دخولها في صناعة معظم الإلكترونيات وأجهزة الهواتف الذكية والحواسب المحمولة والكثير من معدات الدفاع العسكرية المتطورة. هي الصناعة التي تحاول الولايات المتحدة بشكل مستميت أن تتحكم فيها، وأن تضمن تفوق الشركات المصنعة لها داخل أراضيها، مثل شركات «إنفيديا» و«أنتل» و«برودكوم»، أو حتى شركة «سامسونج» الكورية على مثيلاتها الصينية التي تتقدم بقوة في هذا المجال.
كان انتباه العالم مركزاً على أزمة نقص النفط والغاز الذي يمر ما يقرب من 20% منه عبر مضيق «هرمز» الواقع تحت التهديد. البعض لفت الانتباه إلى أن هناك أزمة لا تقل عنها حدة سيواجهها العالم بسبب نقص الأسمدة التي تمر ثلث وارداتها عبر نفس المضيق. إلا أن «فيشمان»، بحكم تركيزه على اقتصاديات الطاقة التي تتحكم في الاقتصاد العالمي حالياً، قد انتبه إلى أن هناك عنصراً ثالثاً هو الذي يهدد الصناعات الحيوية الحالية بالفعل. هذا العنصر هو «الهيليوم» الذي تمر ثلث وارداته أيضاً عبر مضيق «هرمز»، ويواجه العالم مشكلة حقيقية في نقصه لو استمر إغلاق أو تهديد المضيق.
عنصر «الهيليوم» لا يستخدم فقط في بالونات الأطفال التي يطيرها الهواء في احتفالات صبيانية تتحدى الجاذبية الأرضية. هو عنصر أساسي في صناعة أشباه الموصلات أو الرقائق الإلكترونية المطلوبة في كل الصناعات الحديثة، وأي نقص في ذلك العنصر الحيوي يمكن أن تكون له تداعيات كارثية خاصة على اقتصادات الدول التي تعتمد على صناعات التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الولايات المتحدة نفسها (معقل أكبر ثلاث شركات في العالم لتصنيع تلك الشرائح)، ومعها كوريا الجنوبية (مقر شركة «سامسونج») وتايوان التي يعتمد جزء كبير من اقتصادها على صناعة أشباه الموصلات. في الولايات المتحدة وحدها، أي تعطيل لصناعة أشباه الموصلات وما يعتمد عليها من إلكترونيات حديثة ومعدات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضرب أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة فيها في مقتل، وقد يتسبب حتى في أزمة اقتصادية عالمية لا تقل حدة عن الأزمة التي ضربت أسعار النفط حول العالم بعد أزمة مضيق «هرمز».
أما فيما يتعلق بالأسمدة، وعلى العكس من العديد من التحليلات التي ترى أن أزمة نقص الأسمدة التي تمر ثلث وارداتها من مضيق «هرمز» سوف تؤثر على الدول النامية بالأساس، يرى «فيشمان» في لقائه مع «فايننشيال تايمز» أن الدول المتقدمة لن تكون بعيدة عن هذا التأثر، بل ربما يكون الاقتصاد الزراعي للولايات المتحدة نفسها هو الأكثر تأثراً لو طال أمد أزمة المضيق. يقول «فيشمان»: «إن مسار تدفق واردات الأسمدة يتجه أساساً نحو دول في أفريقيا تعتمد على الأسمدة التي أساسها مواد مثل النيتروجين واليوريا القادمة من دول الخليج. ولو ظل إغلاق مضيق «هرمز» مستمراً لوقت أطول فستظهر أزمات جديدة في الغذاء في دول العالم المتقدم التي ستتعرض للضربة الأكثر قسوة في هذا الصدد. هذه الأزمة في الغذاء سوف تصبح أزمة عالمية يتأثر بها الجميع، ليس فقط بسبب الأزمات الإنسانية التي ستصيب الدول الأكثر فقراً ولن تكون بمعزل عن التأثير على الدول المتقدمة، ولكن ستؤثر كذلك على الأفراد الموجودين في الولايات المتحدة وأوروبا. لو طال أمد الأزمة في إيران فسوف نرى ضغوطاً كبيرة يفرضها التضخم على أسعار الغذاء. ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة الذي يؤثر بشكل كبير على المزارعين في الولايات المتحدة، وإنما أيضاً بسبب نقص موارد الطاقة. إن النظام الزراعي في الولايات المتحدة يعتمد بشكل مكثف على الوقود الأحفوري، وبالتالي، فلو ارتفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي لفترة ممتدة من الزمن، فمن المؤكد أن ذلك سيظهر في فواتير البقالة عندما يذهب المواطنون الأمريكيون والبريطانيون لشراء احتياجاتهم من الأسواق».

«فيشمان»: «ترامب» قرر الدخول في حرب عسكرية ضد إيران حتى لا يستفز «بكين» بفرض عقوبات اقتصادية على وارداتها من النفط الإيراني
الفكرة أنه فيما يتعلق بمسألة الضغط على أوردة وشرايين نقل الطاقة والنفط عبر مضيق «هرمز»، فإن «فيشمان» يتوقع أن إيران ما زالت تمتلك مزيداً من أوراق الضغط التي لم تلعب بها بعد ضد الولايات المتحدة. إن الخبير الأمريكي، الذي قضى جزءاً من حياته المهنية يخطط للحروب الاقتصادية الأمريكية ضد إيران خلال العشرين عاماً الماضية، لم يصدق أن «طهران» ستنفذ فعلاً ما تعلنه حول فتح مضيق «هرمز»، أيأً كان شكل هذا الفتح، أمام حاويات النفط ما دامت لا تتجه نحو الولايات المتحدة وإسرائيل. ووجهة نظره في ذلك، أن هذا التحرك سوف يجعل مضيق «هرمز» يفقد فاعليته كسلاح في يد إيران، إذ إن ما يقرب من 95% من النفط الذي يمر من خلاله يتجه بالفعل إلى موانئ أخرى حول العالم خارج الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي يعني انخفاض أسعار النفط العالمي وتخفيف الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة لو تم بالفعل، وبالتالي لا تبدو «مناورة» فتح مضيق «هرمز» فعلياً من قبَل الجانب الإيراني قابلة للتصديق من وجهة نظر الخبير الأمريكي.
اقتصاد الولايات المتحدة يستفيد من اعتماد أوروبا وآسيا على الغاز الطبيعي الأمريكي كبديل للخليج
إلا أن «فيشمان» في المقابل، وضع سيناريو أسوأ لما يمكن أن تفعله إيران لو أنها أرادت أن تتسبب في مزيد من الخسائر والضغط على الولايات المتحدة، قال إن «طهران» يمكنها أن تعلن فتح المضيق من أجل مرور الغاز الطبيعي المسال مع استمرار غلقه أمام حاويات النفط، إذ إن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا يعتمدون بدرجة أكبر على الغاز الطبيعي، وهم بحاجة ماسة إلى تلك الكميات التي تأتي إليهم عبر المضيق. إن منع تدفق النفط عبر مضيق «هرمز» له تداعيات سلبية على اقتصاد الولايات المتحدة بسبب ارتفاع أسعاره، كما يقول «فيشمان»، لكن على العكس من ذلك، فإن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي له نتائج أكثر من إيجابية على الاقتصاد الأمريكي. والسبب أن البديل الذي وجدته أوروبا وآسيا للغاز الطبيعي الذي لم يعد يصل إليها عبر مضيق «هرمز» من دول الخليج، هو الحصول على نفس هذه الكميات من الولايات المتحدة. وبالتالي، أصبحت الشركات التي تتحكم في إنتاج الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة تحقق أرباحاً خيالية في الأسابيع الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالمياً مع تعطل الشحنات القادمة من دول الخليج.
كانت هذه هي الضربة الإيرانية التي تصورها «فيشمان» لو أن «طهران» أرادت فرض مزيد من الضغط على الاقتصاد الأمريكي. إلا أنه وضع أيضاً تصوراً مقابلاً لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لو أنها أرادت «خنق» إيران من خلال استخدام واحدة من نقاط الاختناق الاقتصادية التي تتحكم فيها في النظام المالي العالمي الحديث، عبر فرض بعض العقوبات أو الإجراءات التي تربك خصومها على ساحة الاقتصاد العالمي. كان «فيشمان» يفكر بمنطق خبير الحرب الاقتصادية التي كان يظهر بوضوح عبر صفحات كتابه «نقاط الاختناق». إن الحروب الاقتصادية من وجهة نظره تستهدف تحقيق الانتصار على الخصم من دون الدخول في مواجهة مباشرة معه، أي إنها تعني بالضبط تجنب تلك الحرب العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة ضد إيران. وعلى حد تعبيره في الكتاب حول الفارق ما بين الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية هو «إن فرض عقوبات اقتصادية على بنك ما في دولة ما هو حرب اقتصادية، أما الحرب العسكرية فلا تعني أكثر من قصف وتدمير مبنى البنك».
ثلث كمية «الهيليوم» الضروري في صناعة الإلكترونيات الحديثة والذكاء الاصطناعي يمر عبر «هرمز»
الخطوة التي يقترحها «فيشمان» للضربة القادمة في الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد إيران تقوم على مبدأ بسيط: إن إيران تقوم بتصدير ما يقرب من 1.5 مليون برميل نفط يومياً، وأغلب هذه الكمية تتجه نحو الصين. وبالتالي، فيمكن للرئيس الأمريكي أن يهدد أو يلوح بفرض عقوبات اقتصادية على البنوك ومصافي البترول الصينية، وأن يجعل هذا التهديد قابلاً للتصديق حتى تضطر «بكين» فعلاً لخفض وارداتها من النفط الإيراني بما يتسبب في خسائر اقتصادية فادحة لـ«طهران». ونفس الأمر من وجهة نظر «فيشمان» كان يمكن أن يحدث في حالة «فنزويلا» التي أطاح «ترامب» برئيسها «نيكولاس مادورو» باختطافه في عملية عسكرية محدودة، ثم وجد نفسه أمام أزمة معقدة لإدارة البلاد دون إسقاط النظام فيها أو سقوطها هي ذاتها في حالة من الفوضى. إن فنزويلا، مثلها مثل إيران، تقوم بتصدير معظم إنتاج النفط منها إلى الصين، وبالتالي، فإن التهديد بفرض عقوبات على الطرف المستورد، وهو الصين في الحالتين، يمكن أن يخنق اقتصادياً الطرف الذي يقوم بالتوريد (إيران وفنزويلا) من دون الاضطرار للدخول في مواجهة عسكرية متواصلة معه.
«فيشمان» نفسه هو أول من يعترف بوجود ثغرة واضحة في سيناريو الحرب الاقتصادية الذي يقترحه في تلك الحالة، هو أن الرئيس «ترامب»، على حد تعبير الخبير الأمريكي «لا يريد أن يضخم من التوترات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، ومن الواضح جداً أن «ترامب» قد تراجع عن سياسته الحادة تجاه الصين، بالتالي، وبشكل غير مباشر في حالتي كل من فنزويلا وإيران، اختار «ترامب» الحرب العسكرية بدلاً من الضغط الاقتصادي على «بكين» لأنه خشي من استفزاز الرئيس الصيني «شى جين بينج». هذا هو الخط المشترك بين أزمتي «فنزويلا وإيران»، كما يقول «فيشمان».

هذا الحذر الذي أظهره «ترامب» من استفزاز الجانب الصيني كان يرجع أيضاً إلى «نقطة اختناق» تمتلكها «بكين» وأجادت المناورة بها إلى أقصى حد في الفترة السابقة، هي صادراتها من المعادن النادرة أو الحرجة. تلك المعادن التي تدخل في كل الصناعات الحديثة، وكل ما يحتاج إليه التحول نحو المستقبل، بداية من صناعات الهواتف الذكية والحواسب المحمولة وأجهزة «الراوتر» والمعدات التي تحتاج إليها صناعة الذكاء الاصطناعي ونظم تخزين البيانات، وحتى الصناعات الدفاعية المتطورة والطائرات المسيرة ونظم توجيه الصواريخ والرادار. نفس المعادن التي تدخل في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية والأجهزة وتوربينات توليد الطاقة من الرياح وألواح الطاقة الشمسية، التي تعد الصين واحدة من أكبر المنتجين لها في صورتها الخام، بالإضافة إلى سيطرتها التامة على صناعة معالجة هذه المعادن النادرة، أيأً كان مصدرها حول العالم، لتحويلها من صورتها الخام إلى صورتها النهائية القابلة للاستخدام.
إن شريان المعادن النادرة الذي أصبح يدخل في قلب كل الصناعات الحديثة التي تعتمد عليها كل جوانب الحياة حول العالم بلا استثناء يذكر، هي الشكل الجديد من نقاط الاختناق الذي يكفي الضغط على جزء واحد منه لإحداث أزمة لا يستهان بها. ويرى صاحب كتاب «نقاط الاختناق» أن الحدث الذي قلب كل الموازين من الناحية الاقتصادية عام 2025، كان هو الحظر الذي أعلنته الصين على صادراتها من المعادن النادرة في أبريل من العام نفسه.
يقول «فيشمان»: «لقد بدأ «ترامب» فترة رئاسته الثانية بإظهار القوة ضد الصين، وفرض مزيداً من القيود على بعض الصادرات الأمريكية من أشباه الموصلات، ثم الإعلان عن فرض زيادة جمركية وصلت إلى 145% على الواردات والبضائع الصينية.
وردت الصين بالحظر الذي فرضته على تصدير المعادن النادرة، الذي غير تماماً من نبرة الحديث حول الصين داخل البيت الأبيض، وصارت السياسة غير المعلنة للمسئولين فيه هي: سوف ننتظر اللحظة المناسبة، لا يمكننا توجيه ضربة للصين حتى نكسر قبضتها المحكمة على المعادن النادرة التي أصبحت تمثل نقطة اختناق للاقتصاد العالمي. وبالمثل، فإن أهم حدث في عام 2026 هو استخدام إيران لمضيق «هرمز» كنقطة اختناق جغرافية ضد الولايات المتحدة. وهكذا نرى أنه في العامين الأخيرين، كانت هناك مواجهة مع خصوم الولايات المتحدة، تم الاعتماد في كل منهما على نقطة اختناق للضغط عليها. أعتقد أن هذا يظهر أنه في الحروب الاقتصادية في عالم اليوم، لم يعد الأمر بيد قطب أوحد، ولم تعد الولايات المتحدة وحدها هي التي تمتلك هذه الأسلحة، ولا كل أوراق الضغط، أو أوراق اللعبة».