علي الفاتح يكتب: واشنطن بلا خطة.. والحوار مع إيران بات حتميا
علي الفاتح يكتب: واشنطن بلا خطة.. والحوار مع إيران بات حتميا
بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن حماية دول الخليج، عبر قواعدها العسكرية، أثناء العدوان الصهيوأمريكي على إيران، تعمدت تجاهل مصالحها وتمثيلها على مائدة المفاوضات، وجلست تدافع عن مصالح الكيان الصهيوني، لتؤكد أن الخليج مجرد محطة لابتزاز موارده النفطية دون مقابل.
يتمسك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتطبيق أسلوبه في عقد الصفقات التجارية، الذي بات معروفاً للجميع، وهو الضغط والتصعيد إلى أقصى درجة بهدف ترهيب الخصم للحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات.
ربما كان ذلك أسلوباً ناجعاً في عالم الأسواق ورجال الأعمال، لكن التجربة العملية أثبتت فشله عندما يتعلق الأمر بالمواجهة مع شعوب جذورها ضاربة في التاريخ، وساهمت في بناء الحضارة الإنسانية.
الرجل اتخذ من تجربته مع فنزويلا نموذجاً بنى عليه أحلامه للسيطرة على إيران ونفطها، ومن ثم إحكام قبضته على الخليج العربي كونه أحد أهم الممرات الملاحية الحساسة وتعميق نفوذه في منطقة الشرق الأوسط على نحو يجعله صاحب اليد العليا في صراعه الأكبر والأهم مع التنين الصيني.
هدَّد بمحو الحضارة الفارسية وتدميرها، إلا أنه فوجئ بصلابة صخرة الصمود الإيراني.
لا بد من التأكيد هنا أن الأمة الإيرانية، شأنها شأن الأمة المصرية وكل الأمم الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، غير قابلة للابتزاز، وفي لحظات المواجهة الحقيقية والصراع الصفري تقف مدافعة عن أوطانها بصدور عارية ولا تهرب وتترك أرضها ليستبيحها العدو، ولا تطلب النجدة من الآخرين، ولا تنشد الحماية من أجنبي.
كما خسرت واشنطن رهانها على خروج الشعب الإيراني ضد حكومته وجيشه بمجرد بداية العدوان، خسرت رهانها على إرهاب الشعب الإيراني وجيشه وحكومته بإنذارات الإبادة والمحو من التاريخ.
في الكواليس، وبحسب تقارير صحفية بموقع أكسيوس الأمريكي، وتصريحات تليفزيونية لنقيب الصحفيين الإيرانيين شمس الواعظين، كانت الدبلوماسية المصرية تتحرك بين جميع الأطراف، ونجحت في إيجاد صيغة دبلوماسية أعلن من خلالها ترامب موافقته على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، والجلوس إلى مائدة التفاوض.
في إسلام آباد، ورغم التوافق على الكثير من التفاصيل الفنية بحسب تصريحات الرئيس الأمريكي نفسه، إلا أن الأمريكيين أصروا على التمسك بمطالب غير ممكنة، ولم تنجح آلتهم العسكرية الجبارة في تحقيق أي منها، وهي حرمان إيران من تخصيب اليورانيوم بنسب منخفضة للأغراض السلمية، فيما يُعرف بصفر تخصيب، وتسليم 450 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% للولايات المتحدة، وفتح مضيق هرمز، ورفض مطالب إيران بشأن التعويضات عن خسائرها في البنية التحتية جراء العدوان الصهيوأمريكي، وإزالة العقوبات، والإصرار على عدم شمول لبنان باتفاق إطلاق النار، على عكس الشروط العشرة التي بناء عليها تم الإعلان عن هدنة الأسبوعين، وعقد المفاوضات المباشرة في العاصمة الباكستانية، إسلام آباد.
ترامب استمر في استخدام أسلوب التصعيد لأقصى درجة على مائدة التفاوض ما أدى إلى فشل ما يمكن اعتبارها الجولة الأولى، كون إيران لم تغلق الباب أمام العملية الدبلوماسية.
رغم فشل المفاوضات إلا أن الطرفين لا يريدان استئناف الحرب، على الأقل في المدى القريب، بيد أن ترامب لا يكف عن التصعيد العشوائي، فقد ذهب الرئيس الأمريكي إلى إعلان محاصرة مضيق هرمز، ثم عاد وتراجع ليعلن الاكتفاء بمحاصرة موانئ إيران، وهو ما يكشف عشوائية ردود الأفعال، وعدم وجود خيارات حقيقية أمام واشنطن للتعامل مع أزمة المضيق.
التجربة العملية أثبتت خطأ نهج ترامب في التصعيد المستمر وكشفت عدم وجود خطة ورؤية استراتيجية واقعية لدى واشنطن لإدارة هذا الصراع.
فكل تصعيد يجبر البيت الأبيض على خيارات أصعب، والمضي في أي منها يُكبد الولايات المتحدة خسائر أكثر فداحة على الصعيدين العسكري والاقتصادي.
هذا النوع من القرارات سيعني استمرار ارتفاع معدلات سعر برميل البترول، كما أن استئناف الحرب يقود إلى النتيجة نفسها، وفي النهاية لن يؤدي كل ذلك إلى فتح مضيق هرمز، واستعادة الملاحة الآمنة، علاوة على أن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي إلى تصعيد مقابل بغلق مضيق باب المندب من قبَل جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيين)، مما يتسبب في خنق الاقتصاد العالمي، ومن ثم المزيد من العزلة الأمريكية.
إلى أن يدرك سيد البيت الأبيض خطأ تمسكه بأسلوب عقد الصفقات التجارية في إدارة الصراعات الدولية، وهو ما ثبت فشله في حرب التعريفات الجمركية التي قام بشنها ضد الصين ومعظم حلفائه، على دول الخليج العربي أن تبادر إلى فتح حوار مباشر مع إيران، جارتها التاريخية، فهي المتضرر الأول من استمرار الصراع والمستفيد الأول من حلحلته، ولا ينبغي أن تربط مصيرها بتحركات واشنطن المدفوعة بضغوط الكيان الصهيوني المتحفز لاستئناف الحرب، كونه المستفيد الأول من تدمير إيران وهدم اقتصاديات دول الخليج العربي.
من شأن حوار عربي إيراني مباشر وشفاف العمل على حلحلة الكثير من العقد بما قد يُفضي إلى إنهاء هذا الصراع، وفي أقل تقدير سيُسفر عن تفاهمات تجعل الصواريخ الإيرانية تستهدف حصراً الكيان الصهيوني حال استُئنفت الحرب.
الحوار العربي الإيراني قد يؤدي إلى فتح مضيق هرمز دون رسوم تُفرض على السفن التجارية وناقلات النفط، وفقاً لقانون البحار الدولي، فإذا كانت إيران تريد استخدام عائدات الرسوم في عمليات إعادة الإعمار بشكل من أشكال التعويض، فبإمكان دول الخليج النفطية استبدال هذه الرسوم بتوجيه أموالها للاستثمار في إعادة إعمار المدن والمحافظات والبنى التحتية الإيرانية، إضافة إلى التوسع في عمل مشروعات تنموية تحقق عائداً اقتصادياً مشتركاً للجانبين الإيراني والعربي، ولو كان ذلك بسحب جزء من الاستثمارات التريليونية، التي وعدت بها ترامب.
التوصل لصيغة اتفاق عربي إيراني لن يؤدي فقط إلى استعادة حرية الملاحة في الخليج العربي، إنما إلى صيغة مشتركة للأمن الجماعي تتولى فيها الدول العربية بالاشتراك مع إيران عملية تأمين مضيق هرمز، هذا الخط الملاحي الحيوي، وهو ما سيجد قطعاً دعماً إقليمياً من دول مثل باكستان وتركيا ومصر، ودولياً من جانب الاتحاد الأوروبي قبل الصين وروسيا.
الولايات المتحدة، التي سحبت منظومات الدفاع الجوي من قواعدها في الخليج للدفاع عن الكيان الصهيوني، ذهبت إلى مائدة المفاوضات ممثلة لمصالح الكيان الصهيوني، ولم تطلب حضور ممثلين لمصالح دول الخليج التي تضررت من هذه الحرب، بل ولم تطرح شواغلها على أجندة التفاوض، ورفضت تضمين لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار لتترك الكيان الصهيوني يهدد الأمن القومي العربي شمالاً وجنوباً.
آن الأوان أن يفكر الخليج في مصالحه بعيداً عن أجندة الولايات المتحدة المرتبطة بخطط واستراتيجيات المشروع الصهيوني لفرض الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية على الشرق الأوسط، وفي القلب منه دول الخليج العربي.