هو وهي والمجتمع والناس
تُسأل الأم عن كل شيء؛ عن صلاح الأبناء وفسادهم أيضاً، عن الابن الذي صار زوجاً لا يُعوَّل عليه، والابنة التي صارت أماً وهي لا تستحق.. عن المجتمع وقيمه، الدين، الدولة.. عن كل شيء.
بقى أن يسألوها عن أفعال ترامب؛ والمفارقة أنهم فعلوا وسألوها، حينها أجابتهم نادمة وكأنها المسئولة عن سلوكه: «لديه نوازع جنون»، فلماذا لا يسألون الآباء؟ وإذا فعلوا.. هل يجيب الآباء عن الأسئلة بالدقة والتفاصيل التي تجيدها الأمهات؟ كل ما سبق يأتي عطفاً على الجملة العبقرية التي ذيَّل بها النائب العام قرار حظر النشر في عدد من القضايا التي تمس قيم الأسرة المصرية.
وهنا يأتي السؤال: أنحمي القيم قبل أن نحمي الأسرة نفسها؟ ومن له حق حماية المجتمع من الأساس: القانون أم الدولة أم أفراد المجتمع؟ ولماذا سمّيناها حماية وهي بين ثلاث ممارسات: «نحرمه.. نرحمه.. نحميه»؟ الخيارات الثلاثة يقف المجتمع حائراً بينها؛ فالبعض يرى ضرورة في ممارسة الحماية لمجتمع انفتح مرة واحدة على كل شيء، ولم يتأهل لشيء مما يقابله.
انفتح على الحريات من باب الممارسة لا الفهم، وانفتح على الحقوق من باب المطالبة لا الوعي، وانفتح على الواجبات من باب الفصال لا الالتزام.. الخلاصة أنه انفتح لدرجة أصبحت عصيّة على الإغلاق أو التضييق أو ممارسة أي وصاية من أي نوع، وحتى حظر النشر هناك من يخترقه على رأس الساعة؛ ويا ليته اختراق لنشر الحقيقة، بل بأكاذيب وروايات لا تمتّ للواقع بصلة، فقط تزيده تشويهاً.
وهناك من يرى ضرورة في ممارسة الترك: اتركوا المجتمع يصقل نفسه ويتعلم من أخطائه، خاصة أن جيلاً سبق بالفعل مهاراته ولم ينتظر إتاحة المجتمع؛ تجاوز كل العراقيل وذهب بنفسه ومن معه إلى مساحات بدت غريبة على المجتمع المصري، إلى الحد الذي أصبح معه هذا المجتمع مجتمعين؛ بعضهم يقسمه فئوياً «مصر وإيجيبت»، والبعض يقسمه بالتدين «علمانى ومتدين»، وآخر يصنفه بالوعي «مثقف ومعه شهادة».. وهكذا عشرات التقسيمات التي قد تفسر الفجوة التي اتسعت لتكاد تبتلع المجتمع نفسه، ولا تجعل الابن امتداداً لأبيه، ولا للأسرة وتقاليدها تأثيراً يُذكر.
فيعود السؤال مجدداً: أيهما أولى بالحماية، قيم الأسرة أم الأسرة نفسها؟ حسناً فعل النائب العام حين أغلق دائرة المعلومات وقصرها على التحقيقات لحين الوصول إلى نتيجة يمكن إعلانها، لكنه يظل قراراً مؤقتاً مرتبطاً بوقائع بعينها.
هنا يأتي دور القانون، المنظِّم الأول لسلوك الأفراد وعلاقاتهم في المجتمع، بحسب التعريف المجرّد للقوانين في الدستور المصري.
وهو ما بادر به الرئيس السيسي بتوجيهه الحكومة سرعة إنجاز قوانين الأحوال الشخصية والمقترحات المقدمة حولها، وتلافى عثراتها سواء في الأزهر أو الكنيسة، لإصدار قانون شامل ينظم كل هذا العبث، ويقي المجتمع سوءات التطبيق، ويحمي الأسرة المصرية من أمراضها، وبمدّ الخط على استقامته يكون في هذا القانون حماية لقيم الأسرة التي قصدها النائب العام في قراره.
هكذا حسمت الدولة أولوياتها: توجيه رئاسي بإنقاذ المجتمع وخروج القوانين إلى النور، وحظر مؤقت لتداول معلومات وتحقيقات ستلوّث الواقع أكثر مما تكشف المستور، بقى أن يعلن الجميع أولوياتهم: أن يقف رجال الكنيسة وعلماء الأزهر في صف المجتمع، يحمونه مما يشكون منه.
لا نريد خروجاً عن الأحكام والتفاسير ولا لَيَّ ذراع النصوص المقدسة؛ نريد توافقاً على ما فيه صالح الناس وصلاح المجتمع، حتى لو كان في هذا التوافق سلب -ولو مؤقتاً- لبعض الحقوق التي تركتها الشريعة للتطبيق.
نريد أن يقف أفراد المجتمع نفسه في صف أنفسهم، يحمون ما بقي من إرث الأسرة المصرية، يقاومون كل ما يمكن أن يكون دخيلاً علينا، ويعيدون الهيبة والقدسية إلى مؤسسة الزواج التي شُيطنت لصالح أفكار دخلت كنبتةٍ إلى الأرض، وآن أوان وأد طرحها.
الزواج ليس مؤسسة للتكاثر، والزوج ليس كفيلاً لامرأته، والمرأة ليست وعاءً للرجل، والنفقة والخلع والقائمة ليست أسلحة المرأة، وكل ما بُني على هذا هو باطل، نعود لنؤمن بالأصل: الطلاق حلال وإن أبغضه الله، والمعروف والإحسان شرطان من شروط الزواج والطلاق مجتمعين.
وليتذكر الجميع: تنتهي الحروب بين الدول بفائز وخاسر وضحية ومستفيد.. إلا حروب الأسر، فالكل فيها «خاسر وضحية».