أحمد أبوخنيجر: كتابات جيل السبعينات عن حياتهم شجعتني على الكتابة الواقعية

كتب: محرر

أحمد أبوخنيجر: كتابات جيل السبعينات عن حياتهم شجعتني على الكتابة الواقعية

أحمد أبوخنيجر: كتابات جيل السبعينات عن حياتهم شجعتني على الكتابة الواقعية

كتب - السيد العديسي

تصوير - عدنان عماد

في أقصى جنوب مصر، يعيش معظم أوقاته في هدوء، يتأمل الحياة ويستقي منها حيوات أبطال أعماله الأدبية، يجلس هناك غير عابئ بنداء المدن لأصحاب المواهب والمتطلعين للشهرة، فقد أدرك مبكراً أن بإمكانه خلق أماكنه وصحرائه الخاصة، ما جعله بمأمن من غواية العاصمة، هو الكاتب والقاص أحمد أبوخنيجر، الذي نشأ في بلدة صغيرة اسمها «الرمادي قبلي» بأسوان تنام بجوار النيل، كانت وما زالت درعه التي تقيه سهام العالم وتعينه على مواصلة الإبداع.. منها استمد قوته وثراءه اللغوي، وفيها رسم مسارات أعماله.

وتحفل مسيرة «أبوخنيجر» بكثير من التكريمات والجوائز الأدبية، أبرزها جائزة الدولة التشجيعية للتفوق في الآداب عام 2003 عن روايته «نجع السلعوة»، وجائزة نادي القصة للرواية عن روايته «العمة أخت الرجال»، وجائزة ساويرس للثقافة في القصة القصيرة لفرع كبار الكتاب، وجائزة للتفوق في الآداب.. كل هذه الجوائز حرص الأديب الأسواني على أن تصله دون أن يترك الإقامة في أسوان أو ينجرف إلى غواية الإقامة في العاصمة، وبات هذا محل إعجاب كثيرين، بل نقطة تميز تُضاف لمسيرة «أبوخنيجر».. عن الأدب والحياة في أسوان يأتي هذا الحوار مع الكاتب الكبير.

الكاتب الكبير: لم أتكيف مع «أجواء القاهرة».. والرهان على جودة النص وليس محل الإقامة

■ رغم وجودك في أحد أقاليم مصر البعيدة إلا أنك استطعت تحقيق معادلة صعبة، توجد بإبداعك وكتبك كما يفعل مبدع العاصمة.. كيف استطعت تحقيق ذلك؟

أولاً، أنا أتحفظ على كلمة «الأقاليم»، لأن كل بلدنا أطراف، حتى القاهرة نفسها طرف من بلد أكبر، وفكرة وجود العاصمة ترتبط بتمركز الصحافة والمؤسسات الإعلامية ودور النشر والطباعة والكتب وكل هذه الأمور فيها، غير أن الكتابة ليست كذلك. لا أظن أننا نسأل عن كاتب عالمي مهم: هل كان يعيش في العاصمة أم في قرية بعيدة؟ ولا نسأل مثلاً إن كان نجيب محفوظ يعيش في القاهرة أم لا، فهذا ليس هو المهم. الأهم في رأيي هو ما يقدمه الكاتب من كتابة وتجربة ومشروع.

ربما ساعدتني التحولات التي حدثت في العصر الذي أنتمي إليه؛ فلو كان هذا الكلام في زمن سابق، لكان من الضروري أن تأتي إلى القاهرة، لأن وسائل الاتصال كانت ضعيفة، وكان لا بد من الحضور الشخصي، أما في زمننا فقد بدأت الأمور تتغير؛ ظهرت وسائل اتصال أفضل، ومع الوقت ظهرت شبكة الإنترنت، وهذا ساهم في حل كثير من الإشكاليات المتعلقة بالعلاقة بين المركز والأطراف. لكن في النهاية، يجب أن تدعم ذلك بعملك، أن تقدم نصوصاً تستحق النشر، وإلا فلن يكون لوجودك في أي مكان قيمة.

■ هل حاولت فعلياً النزوح للعاصمة لتحقق الاستفادة الأكبر من مميزاتها؟

القاهرة صعبة بالنسبة لي على المستوى الشخصي؛ فهي مدينة لم أستطع التكيف معها، جربت أن أقيم فيها يوماً أو يومين على الأكثر، ثم كنت أرغب في الهروب والعودة مرة أخرى، لذلك كان من المناسب أن أستمر في أسوان، وهي مدينة عظيمة وجميلة، ورغم أنها بدأت تزدحم الآن، فإنها كانت تمنحني راحة ووقتاً، وهو ما تحتاجه الكتابة. أن يكون لديك وقت تكتب فيه، وتتحاور مع زملائك وأصدقائك من الكتاب، وتجد مساحات أوسع مما قد يتوفر في القاهرة. كثير من أصدقائي في القاهرة يضيعون نصف أعمارهم في المواصلات، وهو أمر عجيب فعلاً؛ يومهم يضيع في الذهاب والعودة، وهذا كان أمراً محيراً بالنسبة لي. أما أسوان فقد حمتني من استهلاك نفسي في المواصلات، ومن ضجيج المدينة الذي لا أستطيع تحمله.

كما أن التشجيع الذي وجدته منذ البداية من الوسط الثقافي بأسوان، واستقبال أعمالي وتقديرها ونشرها، وحصولها على بعض الجوائز، كل ذلك جعلني مطمئناً للبقاء في مكاني دون الحاجة إلى الانتقال للقاهرة.

■ حدثنا إذن عن البدايات!

ربما بدأت الكتابة بشكل أوضح في مرحلة الجامعة، عندما بدأنا نصدر مجلة، كنت أكتب مقالات وما شابه، وكانت هذه المقالات تُنقَّح وتُراجع، وهذا شيئاً فشيئاً جعلني أتجه أكثر للأدب، وفي آخر سنة بكلية العلوم، قابلت شخصاً بالمصادفة في طريقنا إلى المكتبة، وسألني أسئلة لها علاقة بالثقافة، ثم قال لي: حسناً، أرني ما لديك. فأريته بعض ما أقرأ، فأعجب به، وبدأ يقول لي: اقرأ أكثر. وكانت المكتبة الموجودة لدينا في قصر الثقافة لا تحتوي إلا على كُتاب جيل الستينات وما قبله، نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ومحمد عبدالحليم عبدالله، والمنفلوطي، إضافة إلى الأدب المترجم، خاصة الروسي.

وعندما بدأت أقرأ جيل السبعينات، مثل يحيى الطاهر عبدالله ويوسف مستجاب، توقفت قليلاً أمام كتاباتهم، لأنهم أجابوا عن سؤال كنت أطرحه على نفسي: عن ماذا نكتب؟ هل يمكن أن نكتب عن قريتنا، عن حياتنا؟ هل يصلح ذلك أم لا؟ خاصة أن الكتب التي كنا نقرأها في الستينات كانت تدور أغلبها في المدن، القاهرة والإسكندرية، ولم يكن هناك حديث عن الريف.

لكن مع جيل السبعينات اتسع الفضاء؛ يحيى الطاهر يكتب عن الصعيد، ويوسف مستجاب يكتب عن أسيوط، وغيرهم يكتبون عن الدلتا، وصبري موسى يكتب عن الصحراء، فأصبحت الفضاءات أوسع من حصرها في المدن الكبرى فقط، وأدركت أن الكتابة عن حياتنا ممكنة. فبدأت أكتب بعض القصص والنصوص القصيرة. وفي الوقت نفسه، كان عليّ أن أخوض بعض المغامرات، لكي أتعرف إلى المجتمع الذي أكتب عنه.. وهذا أدخلني إلى مجال الأدب الشعبي، والبحث، والجمع، والتدوين، وكانت هذه تجربة مفيدة جداً بالنسبة لي، لأنها مكّنتني من فهم الناس، ورؤية أفكارهم ونظرتهم لأنفسهم، وتفسير كثير من العوالم التي يعيشونها. بعد ذلك قدمني شاعر أسوان الكبير حجاج الباي، في مهرجان أسوان الدولي للفنون، لعدد كبير من الكتاب والنقاد، خلال جلسة قراءة، يقرأ فيها المشاركون ثم يعلق الآخرون. ومن هنا بدأت الخطوات الأولى، ثم تلاها بناء الوعي، وتطور التجربة، والعمل الجاد. فالأمر في النهاية يعتمد على الجهد؛ من يعمل يصل، ومن لا يعمل لا يصل.

مهمة «لجنة السرد» تتلخص في تطوير هذا الفن وفتح منافذ جديدة للنشر وحل مشكلات الكُتّاب

■ أنت الآن عضو في لجنة السرد والقصة في التشكيل الجديد للمجلس الأعلى للثقافة، ماذا يمكن أن تقدم في هذه اللجنة؟

اللجنة تضم عدداً من الزملاء، من الكتاب والنقاد المهتمين بالسرد والقصة، وعلى رأسهم الكاتب والروائي محمد إبراهيم طاهر، والفكرة أن يعمل الجميع بشكل جماعي، لا أن تكون قرارات فردية، بل أفكار تُطرح للنقاش لدعم هذا المجال، مثل تطوير فن السرد، وفتح منافذ جديدة للنشر، ومناقشة مشكلات تواجه الكُتّاب، وتنظيم مؤتمرات أو ندوات أو فعاليات ثقافية، كما أن هناك جانباً مهماً، وهو تحقيق نوع من العدالة الثقافية، بحيث لا تتركز الأنشطة في مكان واحد، وتمتد إلى الأقاليم المختلفة.. ومن بين المقترحات: إقامة ندوات، وورش عمل، ومتابعات نقدية، وتنظيم مؤتمرات، وربما نقل بعض أنشطة المجلس إلى الأقاليم.

الحكم بضعف القصة القصيرة يحتاج مراجعة وأزمة الأدب في غياب المتابعة النقدية الجادة

■ كيف ترى القصة القصيرة في مصر؟ هل تراجعت فعلاً؟ وهل تتوافر فيها الشروط التي تجعلها قادرة على المنافسة؟

القصة القصيرة موجودة، والرواية موجودة، وكذلك القصة القصيرة جداً؛ أي إن الأنواع الأدبية كلها حاضرة. فكرة أن بعض الأنواع تمر بفترات قوة وأخرى بضعف نسبي أمر طبيعي، لكن هذا لا يعني غيابها. هناك تجارب جيدة في المجموعات القصصية والرواية، ويكتبها جيل من الشباب أيضاً.

والحكم بوجود ضعف يقتضي أولاً أن نكون قد أحطنا بكل ما كُتب من قصص، وهو ما لم يحدث. صحيح أن مقولة «زمن الرواية» موجودة، وأن الجوائز المخصصة للرواية ساعدت في جذب كثير من الكُتّاب إليها، لكن في المقابل هناك مجموعات قصصية مهمة، وكتابة قصصية تستحق التقدير النقدي والاحتفاء. المشكلة الحقيقية ربما تكمن في غياب المتابعة النقدية الجادة؛ وفي فترات سابقة، كان هناك من يتابع حركة السرد بشكل منهجي، مثل تقارير سنوية عن حال السرد، وربما نحتاج اليوم إلى عودة هذا الدور، من خلال نقاد متخصصين يتابعون الإنتاج ويقدمون قراءات جادة له.

■ حصلت على العديد من الجوائز، ما الجائزة الأهم بالنسبة لك؟

كل الجوائز مهمة في وقتها، وكل واحدة لها أثرها. أنا لا أنظر إلى الجوائز من الجانب المادي، القيمة الحقيقية للجائزة تكمن في الدعم النفسي والتقدير المعنوي، فهي تقول له إن ما يقدمه له قيمة. لكن في الوقت نفسه، يجب ألا يحزن الكاتب إذا لم يفز بجائزة، لأن الجوائز لها معاييرها وظروفها. وبعضها قد يوجه الكتابة نحو نوع معين، كأن تشجع مثلاً الكتابة التاريخية، وهذا قد يدفع بعض الكُتّاب للابتعاد عن قضاياهم المعاصرة والتعبير عن واقعهم اليومي. وهذا في رأيي قد يكون إشكالياً؛ لأن الكتابة الحقيقية يجب أن تنبع من الواقع الذي يعيشه الكاتب، لا بشروط الجوائز أو توجهاتها.


المجتمع الأسواني

المجتمع القديم، الذي كانت ملامحه واضحة ويمكن تمييز بنيته بسهولة، لم يعد موجوداً بهذا الشكل. دخلت عوامل كثيرة، اقتصادية واجتماعية، وتزايد عدد السكان. ومع ذلك، يظل المجتمع الأسواني في جوهره يميل إلى التسامح والطيبة، ويرتبط ذلك ببنيته الثقافية، التي لم تمِل تاريخياً إلى العنف، بل تشكلت في إطار وسطي، حتى في الفنون والتعبيرات الثقافية، كما أن درجة التقارب الاجتماعي والاقتصادي بين الناس ساهمت في تقليل الاحتقانات.


مواضيع متعلقة