من عباءة حسن البنا إلى إرث البغدادي.. كيف أسقطت ذاكرة الشعوب أوهام التنظيمات الإرهابية؟

كتب: مريم شريف

من عباءة حسن البنا إلى إرث البغدادي.. كيف أسقطت ذاكرة الشعوب أوهام التنظيمات الإرهابية؟

من عباءة حسن البنا إلى إرث البغدادي.. كيف أسقطت ذاكرة الشعوب أوهام التنظيمات الإرهابية؟

على مدار نحو قرن، لم تعد الجماعات ذات الطابع الإسلامي السياسي مجرد كيانات تنظيمية عابرة، بل تشكلت كمنظومة فكرية ممتدة، أعادت إنتاج نفسها عبر مراحل مختلفة، مع تبدل الأسماء وثبات الجوهر، فمنذ البدايات الأولى مع حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان الإرهابي، تبلورت أفكار التنظيم المغلق والطاعة المطلقة، قبل أن تتطور لاحقًا إلى نماذج أكثر حدة، وصولًا إلى تنظيمات عابرة للحدود مثل تنظيمي القاعدة وداعش.


ورغم اختلاف السياقات الزمنية والسياسية، فإن التجارب المتراكمة في عدد من الدول أظهرت أن هذه التنظيمات الإرهابية مهما تنوعت شعاراتها، تنتهي غالبًا إلى نتائج متشابهة، عنوانها الصدام مع الدولة، وإثارة الانقسام داخل المجتمع، وترك إرث من العنف يصعب تجاوزه، وفي هذا المسار تحولت أسماء مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي إلى رموز عالمية للتطرف، غير أن خبراء يرون أن المشكلة لا تكمن في الأفراد بقدر ما ترتبط بالبنية الفكرية القادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر الأجيال.


الالتزام الصارم بالطاعة


في هذا السياق، يؤكد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة طارق البشبيشي، أنّ جوهر الأزمة يتمثل في استمرار الإطار الفكري الذي يسمح بإعادة تدوير نفس الأفكار في أشكال تنظيمية مختلفة، مشيرًا إلى أن هذه الجماعات تقوم على ركائز أساسية مثل الانغلاق التنظيمي، والالتزام الصارم بالطاعة، واحتكار التفسير الديني والسياسي، وهو ما يجعل الانتقال إلى العنف خيارًا مطروحًا عند لحظات التوتر والصدام.


ويضيف أن الدراسات الحديثة في مجال التطرف السياسي تشير إلى اعتماد هذه التنظيمات على ثلاثية متكررة: الأيديولوجيا، والاستقطاب، وتبرير العنف، وهي أدوات تمنحها القدرة على التحول من خطاب سياسي أو دعوي إلى ممارسات متطرفة بمجرد توفر بيئة مناسبة.


هذا الامتداد الفكري يفسر كيف تطورت الظاهرة من تنظيمات سرية محدودة إلى شبكات أكثر عنفًا وانتشارًا، دون أن تفقد مرتكزاتها الأساسية، التي تقوم على تقديم الولاء للتنظيم الإرهابي على حساب الدولة، واعتبار المجتمع ساحة مفتوحة للتجنيد والاستقطاب.


سقوط الإرهاب من ذاكرة الشعوب


في المقابل، لم تعد الشعوب تنظر إلى هذه الجماعات من زاوية الشعارات، بل من خلال النتائج التي عايشتها على أرض الواقع، فقد أسهمت التجارب القاسية في تشكيل وعي جمعي أكثر حذرًا، يربط بين الخطاب والنتائج، ويضع هذه التنظيمات في سياق أوسع من الأزمات التي مست الأمن والاستقرار.


من جهته، يشير الباحث في شؤون الجماعات الأصولية عمرو فاروق، إلى أن الأثر الأعمق لهذه التنظيمات يتمثل في الإرث النفسي والذهني الذي خلفته في المجتمعات، موضحًا أن آلية (تدوير الفكرة) بين الأجيال سمحت بانتقالها من العمل السياسي إلى العنف المسلح، ثم إلى شبكات إرهابية دولية، دون تغيير حقيقي في جوهرها.


ويؤكد أن المجتمعات العربية أصبحت أكثر وعيًا وصلابة في تقييم هذه التجارب، بعدما ارتبطت في ذاكرتها بمشاهد الفوضى والانهيار ومحاولات السيطرة على الدولة تحت غطاء أيديولوجي، وهو ما يفسر تراجع قدرتها على استعادة التأثير الشعبي الذي تمتعت به سابقًا.


ورغم أن هذا المسار الممتد من حسن البنا إلى قيادات التنظيمات الإرهابية لم يكن قفزة مفاجئة، بل تطورًا تدريجيًا استغل الأزمات السياسية والثغرات المجتمعية، فإن الواقع الحالي يكشف عن تراجع واضح في قدرة هذه الشبكات على التمدد، ليس فقط بفعل المواجهات الأمنية، بل نتيجة تآكل البيئة الحاضنة لها، فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن بقاء الفكرة لا يعني قدرتها على استعادة الزخم، خاصة مع تنامي إدراك المجتمعات لخطورة توظيف الدين في الصراعات السياسية، ورفضها المتزايد للخلط بين العمل الدعوي والمشروعات التنظيمية المغلقة.


وفي ظل هذا التحول، لم تعد محاولات تغيير الأسماء أو الوجوه كافية لخداع الرأي العام، إذ أصبحت ذاكرة الشعوب أكثر قدرة على الربط بين التجارب، واستخلاص الدروس منها، لذلك لم تعد المواجهة مقتصرة على تفكيك التنظيمات، بل امتدت إلى تفكيك البنية الفكرية التي غذّت هذا المسار لعقود، لتؤكد التجربة أن الشعوب التي دفعت كلفة الفوضى والانقسام لم تعد مستعدة لإعادة إنتاج المشهد ذاته، وأن التاريخ الذي مر بمحطات من التنظير إلى العنف تحول إلى ذاكرة جماعية راسخة، ترفض تكرار التجربة مهما تغيرت الشعارات.