محمود مرزوق يكتب: كفاح طيبة ورحلة البحث عن الذات
محمود مرزوق يكتب: كفاح طيبة ورحلة البحث عن الذات
عقب ثورة 1919 وحصول مصر على قدر من الاستقلال يسمح لها بصياغة دستور 1923، وإطلاق حقبة ليبرالية انتعشت خلالها الحياة السياسية والثقافية، وجدت البلاد نفسها أمام سؤال جوهري: من نحن؟ وعلى أي أرضية نبني نهضتنا؟ لم يكن هذا السؤال ترفاً فكرياً، بل كان معركة فكرية حقيقية جرت وقائعها على صفحات الجرائد، وفى قاعات الجامعات، وجلسات البرلمان.
ثلاثة تيارات كبرى تصارعت على تشكيل وجدان الأمة: تيار يرى أن الإسلام هو العمود الفقرى للهوية ولا نهضة إلا من خلاله، وتيار يرى أن مصر جزء من منظومة البحر المتوسط الحضارية وأن روحها أقرب إلى أثينا منها إلى العروبة، وتيار ثالث يستلهم من الحضارة المصرية القديمة الضاربة فى القدم أساساً للهوية وسنداً للنهضة.
وفى قلب هذا الجدل الصاخب، كان الروائى الشاب نجيب محفوظ يصوغ إجابته الخاصة.
فى منتصف الثلاثينات، أثناء دراسته بقسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول، تشكلت فى ذهنه رؤية طموحة: أن يكتب ملحمة روائية على غرار ما فعله «والتر سكوت» مع التاريخ الاسكتلندى، لكن موضوعها سيكون تاريخ مصر القديمة.
وضع خطة لأربعين رواية، وكان المشروع يقوم على إيمان راسخ بأن مصر لها روح خاصة لا تتوارثها من الحضارة الإسلامية ولا من العروبة ولا من اليونان، بل من وادى النيل نفسه.
تأثر محفوظ فى هذه المرحلة بكتابات سلامة موسى الذى دعا إلى الهوية المصرية القديمة كمرتكز أصيل، كما تأثر بالاكتشافات الأثرية التى ملأت أخبارها الصحف فى أعقاب اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، فكانت مصر القديمة حاضرة فى الوجدان الثقافى بشكل غير مسبوق.
لم يُنجز محفوظ من مشروعه الطموح سوى ثلاث روايات تاريخية (بجانب مجموعة قصصية). بدأ بـ«عبث الأقدار» عام 1939 التى تدور فى عصر الدولة القديمة، وكان يحاول فيها إثبات أن الخيال الروائى قادر على إعادة إحياء الأجداد الفراعنة وجعلهم يتحدثون.
ثم جاءت «رادوبيس» عام 1943 التى تتناول قصة الفرعون وجاريته الإغريقية، وما بها من إسقاط سياسى عن انهيار الدولة حين يستسلم الحاكم للهوى.
أما «كفاح طيبة» عام 1944 فكانت الأعمق والأكثر تأثيراً، إذ تحكى ملحمة تحرير مصر من حكم الهكسوس على يد الملك أحمس الأول.
قرأتُ هذه الرواية فى سنوات دراستى الإعدادية، لأنها كانت ضمن المقرر الدراسى لمادة اللغة العربية، وقرأتها مرة أخرى أثناء دراستى الجامعية، فأعجبتنى دقة الخط التاريخى الذى صاغه محفوظ دون إخلال بالبناء الدرامى؛ فقد قرأ محفوظ فى ذلك الوقت المبكر العديد من المراجع الأجنبية التى تؤرخ لهذا الحدث المفصلى، ونجح فى تقديمه فى قالب روائى رشيق.
غير أن محفوظ توقف عن مشروعه «الفرعونى» وتحول تحولاً جذرياً نحو القاهرة المعاصرة؛ ويبدو أنه أدرك أن الرواية التاريخية، مهما بلغت من الإتقان، قد تظل بعيدة عن مخيلة القارئ المعاصر.
بطبيعة الحال، مصر القديمة لا تنبض بنبض الحياة التى يعيشها الناس فى «الجمالية» و«السيدة زينب».
كما أن الجدل حول الهوية كان قد انتقل بحلول أواخر الأربعينات من الأروقة الأكاديمية إلى الشارع، ومن البحث التاريخى إلى الصراع السياسى المحتدم.
لكن الأهم من كل ذلك، أن محفوظ حين نزل من عالم الفراعنة إلى حوارى القاهرة وجد ما كان يبحث عنه طوال الوقت: الروح المصرية الحقيقية لا تسكن فى المتاحف والآثار فحسب، بل فى الحارة والمقهى والحوش والزقاق - فى أولئك الناس الذين يحملون على عاتقهم تاريخ آلاف السنين دون أن يدركوا ذلك.
حين أصدر «القاهرة الجديدة» ثم «زقاق المدق» و«خان الخليلى»، كان يعلن انتقالاً فلسفياً عميقاً.
لم يتخلَّ عن سؤال الهوية، بل وجد إجابة مختلفة: هوية مصر ليست فى حضارة بعينها ولا فى دين بمفرده، بل فى الإنسان المصرى نفسه بتناقضاته وعذاباته وطرافته وصبره.
والحارة عنده ليست مجرد ديكور؛ هى رمز يحمل فى طياته كل طبقات التاريخ - فيها الإسلام والتصوف والموروث الشعبى والروح المصرية القديمة المتوارثة، وهى المكان الذى التقت فيه كل هويات مصر وانصهرت دون أن يلغى أحدها الآخر.
وفى «الثلاثية» -بين القصرين وقصر الشوق والسكرية- بلغ هذا المشروع الجديد ذروته؛ فعائلة عبدالجواد ليست مجرد عائلة مصرية، بل هى رمز لمصر نفسها عبر نصف قرن من التحولات الكبرى.
نجيب محفوظ لم يتخلَّ عن سؤال الهوية إذن، بل أجاب عنه بطريقة أعمق مما توقع هو نفسه، حين راهن فى شبابه على مصر القديمة كان يبحث عن الهوية فى الماضى، وحين انحاز فى مرحلة النضج إلى الحارة المصرية اكتشف أن الهوية ليست فى الماضى وحده ولا فى الحاضر وحده، بل فى الاستمرارية - فى ذلك الخيط غير المرئى الذى يربط الماضى البعيد بالحاضر المعاش.