النفوس الفقيرة الهادئة
مشاهد الدم التي تغرق العالم حالياً تعد من الأسباب المباشرة لحالة القلق والتوتر التي يعيشها قطاع من البشر، ومن بينهم نسبة لا بأس بها من أفراد الشعب المصري، ذلك القلق الذي يمكن أن ينقلب إلى اكتئاب، اكتئاب قد يسوق صاحبه إلى ما هو أبعد.
انظر إلى مشاهد الدمار والتخريب التي عاشتها غزة خلال عامين متصلين، ومشاهد النار التي شهدتها اليمن، ثم إيران. وقبل هذه المشاهد عاش العالم منذ بدء الألفية الجديدة مشاهد قتل وحرق ودمار غير عادية، حدث ذلك في الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، ثم في حرب أفغانستان، ثم في غزو العراق، ثم في مشاهد الحرب على لبنان والأرض المحتلة. لقد عاشت المنطقة خلال الفترة من 2000 - وحتى 2026 حروباً وصراعات لا تتوقف، وحظيت مشاهد الهدم والحرق وسحق البشر بدور البطولة على مستوى التغطيات الإعلامية التي تابعها العالم.
يبقى بعد استرجاع هذه المشاهد أن نسأل: ألم تشهد الحقب السابقة مشاهد شبيهة.. بعبارة أخرى هل حقب الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات كانت خالية من الحروب والصراعات، لأن إنسانها كان أهدأ أو أكثر صلابة نفسية من إنسان القرن الحادي والعشرين؟ واقع الحال أن هذه الحقب شهدت صراعات شديدة الدموية، كما حدث في أزمة خليج الخنازير التي وقف فيها العالم على أظافره خوفاً من مواجهة نووية محتملة كادت أن تقع، وفيها تواصلت حرب فيتنام طيلة الستينات وحتى منتصف السبعينات، وداخل المنطقة نشبت العديد من الحروب بين العرب وإسرائيل، ثم كانت الحرب الإيرانية العراقية، ثم كان غزو العراق للكويت، ثم حرب تحرير الكويت.
واللافت أن المصريين الذين عاصروا حقبتي الستينات والسبعينات خاضوا حربين مع إسرائيل سنة 1967 وسنة 1973، ورغم ذلك لم تنتشر حالات الاكتئاب أو الوجع النفسي خلال هذه الفترة، كما انتشرت خلال السنوات الأخيرة، إلى حد أن أصبحت نسبة 25% من المصريين يعانون الأمراض النفسية، كما تقول الإحصائيات.
إذا كانت العقود الثلاثة الأولى من القرن الحادي والعشرين تتشابه مع العقود الثلاثة أو الأربعة التي سبقتها في مشاهد الحروب والصراعات الدموية الموجعة، فلنا أن نسأل: لماذا يتأثر المصري المنتمي للقرن الجديد (نفسياً) أكثر من المصري المنتمي إلى القرن الماضي بالمشاهد الموجعة للنفس؟ السر في ذلك هو وسائل الإعلام التي انفجرت -مع حلول الألفية الجديدة- وأصبحت تنقل أدق تفاصيل الحروب والصراعات. زمان لم يكن الإعلام بهذا الثراء والتمدد بحيث يستطيع الوصول إلى كل مواطن أياً كان مكانه، عدد الجرائد محدود، محطات الراديو والتليفزيون قليلة واهتمامها الأكبر بالأحداث المحلية، وبالتالي لم يكن المواطن يشعر بما يحدث حوله، أما اليوم فهذه المشاهد تصل إليه أينما كان فتوجع قلبه، وتوتر أعصابه، وتتراكم أوجاعها داخل نفسه، فتقذف به في بئر الاكتئاب وهكذا.
كأن الفقر الإعلامي «حشمة».. وكأن مَن عاشوا في ظل هذه المعادلة أكثر حظاً من أبناء عصر الثراء أو الانفجار الإعلامي المعاصر؟ الأرقام تقول إن نفوس الفقراء إعلامياً كانت أهدأ وأكثر صحة وسلامة.