يسرا زهران تكتب: بعد حرب إيران.. خمس سنوات على نهاية الاقتصاد العالمي كما نعرفه (الحلقة الثالثة)
يسرا زهران تكتب: بعد حرب إيران.. خمس سنوات على نهاية الاقتصاد العالمي كما نعرفه (الحلقة الثالثة)
يقولون إن حلم كل قائد عسكري منذ أن بدأت المعارك في تاريخ البشر هو أن يربح المواجهة من دون أن يحارب، أن ينجح في تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأدنى كم من الخسائر، ويتفادى أكبر حجم من هذه الخسائر بأقل مجهود.
هذا هو المعنى الحقيقي للانتصار في الحرب. ليس إحداث أكبر قدر من الدمار، ولا إراقة دماء أعداد لا تُحصى من البشر لتحقيق نتائج محدودة سرعان ما تتبخر أو تنقلب إلى صداع جديد في رأس أصحابها. تصبح الحرب، بهذا المفهوم، وسيلة للدفاع عن الحياة، وحماية سبل المعيشة، وليست مجرد هجمات وحشية عمياء، تتوهم أنها تعالج جرحاً صغيراً بالكي بالنار، فتتحول إلى جحيم يحرق الأرض كلها.
يكاد يكون هذا هو ما حدث في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران. كانت حرباً تصور بعضهم أنها بعيدة جغرافياً عنهم، فوجدوا أنها تقلب بيوتهم، وتُربك حساباتهم، وتعطل أعمالهم وطرقهم. حرب توهَّم أصحابها أنها ستنتهي في أسبوعين أو ثلاثة ليفيقوا على أزمات عالمية خانقة لن تنتهي قبل عامين أو ثلاثة، ولو تعقدت الأمور أكثر، فستستمر حتى عقدين أو ثلاثة، لأن هذا هو ما يحدث باختصار عندما تتوجه الضربات ضد منطقة تتحكم جغرافياً فيما يطلق عليه «نقطة اختناق».
نقاط الاختناق مثل المضادات الحيوية.. الإفراط فى استخدامها خطر ويُفقدها تأثيرها
يعني مفهوم «نقاط الاختناق» الجغرافية ممرات بحرية استراتيجية تمر من خلالها طرق الملاحة والتجارة ونقل الطاقة العالمية، وأي عرقلة فيها تؤدي مباشرة إلى رفع أسعار الشحن وتضخُّم الأسعار بما يُشعل أزمات اقتصادية عالمية واسعة المدى. تلك النقطة في حالة إيران هي مضيق «هرمز»، عنق الزجاجة الذي يؤدي أي تهديد له إلى خنق الاقتصاد العالمي، ولو ساء الأمر، إلى قطع شرايينه.
لكن الولايات المتحدة على الجانب الآخر، صنعت لنفسها «نقاط اختناق» من نوع مختلف، اقتصادية ومالية، استخدمتها طويلاً ضد إيران قبل أن تشن عليها حربها الأخيرة والمباشرة، والتي تحولت إلى نموذج جديد في تاريخ الحروب، تداخلت فيه «نقاط الاختناق» الجغرافية والاقتصادية لتدمر أعصاب العالم كله. والنتيجة النهائية: لم يربح أحد!
نحن نحيا الآن في عالم مهدد بالاختناق من أي ناحية ولأي سبب، وسط دول لا تتردد كل واحدة منها، عند أي مواجهة مع خصم سياسي أو اقتصادي أو عسكري، في استخدام أوراق الضغط لديها بشكل فج، لا يتسبب في خسائر للطرف المواجه فحسب، وإنما في إصابة العالم كله من حولها بالارتباك والشلل، لا بمنطق «علىَّ وعلى أعدائي» وحسب، وإنما بمنطق «علىَّ وعلى حلفائي» أيضاً.
فعلتها الولايات المتحدة الأمريكية في بداية فترة ولاية الرئيس «دونالد ترامب» الثانية. فرضت زيادة عجيبة على الرسوم الجمركية، التي تُعتبر أداة من أدوات حروبها الاقتصادية في العشرين عاماً الأخيرة. كانت الولايات المتحدة تستهدف في الأساس توجيه ضربة للقوة العظمى الصاعدة في مواجهتها وهي الصين، لكن آثار هذه الضربة امتدت لحلفاء الولايات المتحدة في كندا وأوروبا وآسيا.
وردت عليها الصين بفرض حظر على بعض أنواع المعادن النادرة التي تدخل في صناعة كل ما يعتمد عليه العالم تقريباً، بداية من الهواتف الذكية والحواسب وبطاريات الشحن والسيارات الكهربائية، وحتى الصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي، لتُربك حسابات كل تلك الصناعات حول العالم وليس في الولايات المتحدة وحدها.
ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لتعيد «طهران» الاعتبار لنقاط القوة الجغرافية التقليدية، وتنتقم لنفسها من كل جزء في العالم يعتمد على تصدير أو استيراد موارد الطاقة التقليدية مثل النفط والغاز الذي يمر في مضيق «هرمز» الذي أحكمت السيطرة عليه، وجعلت الاقتصاد العالمي كله يدفع ثمن العدوان عليها، حتى تصل، من خلال خنق شرايين سلاسل إمداد الطاقة فيه، إلى ما تريده على مائدة المفاوضات.
أياً كان ما ستكون عليه نتيجة الحرب والمفاوضات الإيرانية الأمريكية، فإن العالم لن يقف ساكناً بانتظار تكرار كل ما سبق.
ما يجمع المواقف السابقة هو أن كل دولة فيها قد استخدمت ما يسمى بـ«نقطة الاختناق» التي تُحكم سيطرتها عليها حتى يخضع باقي العالم لإرادتها. إيران استخدمت نقطة اختناق جغرافية هي مضيق «هرمز»، والولايات المتحدة تستخدم نقاط اختناق في النظام المالي العالمي مثل الدولار الأمريكي الذي تعتمد عليه حركة التبادل التجاري الدولية، وتهدد بفرض عقوبات اقتصادية أو قطع بنوك بعينها عن نظام الدولار الأمريكي لو أرادت تأديب الدول التي تقف وراءها. أما الصين فتُحكم قبضتها على نقطة اختناق جديدة، أوجدتها صناعات المستقبل التي أحكمت «بكين» سيطرتها مبكراً جداً على أوردتها وسلاسل إمدادها، بداية من مصدرها ومروراً بمعالجتها وحتى مراحل تصنيعها وتصديرها الأخيرة، وهي المعادن النادرة.
للوهلة الأولى، يبدو امتلاك أي دولة لنقطة اختناق، سواء كانت جغرافية أو مالية أو صناعية، ميزة كبرى وورقة ضغط تمنحها التفوق في حالات السلم والحرب. إلا أن هناك وجهاً مظلماً لهذا الأمر، هو أن باقي العالم لا يتحمل طويلاً أن تُحكم أي دولة الخناق على معيشته وموارده، وأنه بمرور الوقت، ومع الإفراط في الضغط، تفقد «نقاط الاختناق» تأثيرها، وقد تنقلب على أصحابها.
«فيشمان»: «واشنطن» تبحث عن بديل لمعادن الصين.. و«بكين» عن بديل للدولار
أحد أفضل من درسوا طريقة تكوين هذه النقاط وطرق استخدامها للضغط على الاقتصاد العالمي، كان الدبلوماسي الأمريكي السابق والاقتصادي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة «كولومبيا» الأمريكية «إدوارد فيشمان». عمل «فيشمان» من قبل في وزارة الخارجية والخزانة الأمريكية خلال الفترة التي شهدت ذروة العقوبات الاقتصادية الأمريكية على روسيا وإيران في فترة رئاسة «باراك أوباما» و«جو بايدن».
وصدر له كتاب حمل عنوان «نقاط الاختناق: القوة الأمريكية في عصر الحروب الاقتصادية»، احتل قائمة أكثر الكتب مبيعاً ضمن قوائم كبريات الصحف مثل «نيويورك تايمز» الأمريكية و«فاينانشيال تايمز» البريطانية لدى صدوره قبل شهور مضت، واعتبرته العديد من وسائل الإعلام الغربية مرجعاً مهماً يفسر ما يحدث على الساحة الاقتصادية العالمية بعد أزمة مضيق «هرمز»، نقطة الاختناق التي أعادت العالم إلى عصر الحروب التقليدية، بعد أن تصور كثيرون أن الحروب والضغوط والعقوبات الاقتصادية كانت قادرة على تحقيق أهداف الحروب العسكرية من دون دماء.
يصف «فيشمان» في كتابه، ببراعة شديدة، ذلك الفارق بين استخدام «نقاط الاختناق» بالقدر الصحيح الذي يُحدث الأثر المطلوب، والإفراط في استخدامها حتى يزيد الضغط بها عن حده فينقلب إلى ضده. يقول: «إن استخدام نقاط الاختناق (سواء جغرافية مثل «هرمز» أو مادية مثل المعادن النادرة والعقوبات الاقتصادية) هو أمر يشبه استعمال المضادات الحيوية: هي تُحدث أثراً عندما يتم استخدامها بالشكل السليم، لكنها تتسبب في قدر كبير من المشكلات لو تم استخدامها بإفراط أو بشكل غير صحيح. في أحيان أخرى، يكون استخدام نقاط الاختناق الاقتصادية، مثل العقوبات، هو ببساطة المدخل الخطأ لحل مشكلة ما.
فمثلاً، لو أن ما تسعى إليه «واشنطن» هو تغيير النظام، سواء في إيران أو في فنزويلا، فإن انتظار نجاح العقوبات وأوراق الضغط والأسلحة الاقتصادية في تحقيق هذا الهدف يصبح نوعاً من إضاعة الوقت. وفي حالات أخرى، تكون هناك إمكانية لنجاح العقوبات الاقتصادية فقط لو تم فرضها بجرعات عالية مكثفة وعلى فترة طويلة بما يكفي، وبطريقة محسوبة بدقة لتفادي تكوين نوع من المناعة أو المقاومة ضدها كما يحدث مع المضادات الحيوية».
الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول أصبح نقطة ضعف وليس قوة.. واقتصاد العولمة لا يصلح فى مواجهة طموحات روسيا والصين
تكتسب نقاط الاختناق أهميتها من تداخل الاقتصاد العالمي حالياً واعتماد الدول على بعضها، خاصةً فيما يتعلق بسلاسل الإمداد والتوريد. أي أن العالم كله من الناحية الاقتصادية يشبه الجسد الإنساني المتشابك بأوردته وأعصابه بحيث يصعب أن ينفصل جزء منه عما يحدث في جانب آخر، وهو ما يطلق عليه البعض وصف «اقتصاد العولمة» الذي يرى كتاب «فيشمان» أننا نشهد نهايته في الفترة الحالية قائلاً: «إن حالة النظام الاقتصادي العالمي (في تداخلها واعتمادها على بعضها) حالياً ربما كانت صالحة لحقبة التسعينات «الأليفة»، لكنها ليست مناسبة أبداً لذلك العالم الخطر الذي نحيا فيه اليوم. كانت العولمة تتقدم بنجاح إلى الأمام ثم بدأت سرعة سيرها تقل مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتراجعت بشكل أكثر حدة عندما بدأت حكومات العالم مؤخراً تنظر إلى الاعتماد الاقتصادي المتبادل بينها وبين بعضها على أنه عائق ونقطة ضعف وليس نقطة قوة. والسبب أنه بما أن كل اقتصادات الدول والقوى العظمى مرتبطة ببعضها، فإن حكومات تلك الدول تصبح قادرة على استغلال نقاط الاختناق التي تمتلكها للضغط على منافسيها أو خصومها».
ويواصل كتاب «فيشمان»: «لا أحد يعرف متى سوف ينتهي هذا العصر بالتحديد، لكن من الممكن التخمين. في ظل هذه المواجهات المتبادلة بين صُناع القرار في «واشنطن» و«بكين» و«بروكسل» و«موسكو»، لم يعد من الممكن الحصول على كل المكاسب، ولا الجمع بين الاعتماد المتبادل بين الدول وبعضها، والحفاظ على الإحساس بالأمن الاقتصادي مع استمرار المنافسة على الساحة الجيوسياسية. هذه العناصر الثلاثة لا يمكن لها أن تجتمع معاً».
ويتابع كتاب «فيشمان»: «خلال الحرب الباردة، كان التنافس على الساحة الجيوسياسية هو صاحب اليد العليا. كل دولة في العالم كانت تتمتع بدرجة من الأمن الاقتصادي لأنها تخلت عن فكرة التعاون أو الاعتماد المتبادل مع العدو. لكن الحسابات تغيرت مع نهاية الحرب الباردة. ومع وصول القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية الأمريكية إلى ذروتها في تلك الفترة، بدا الأمر وكأنه لم يعد هناك مجال للتنافس، وكانت الولايات المتحدة تنظر إلى الصين وروسيا في تلك الفترة على أنهما أقرب إلى الأصدقاء منهما إلى المنافسين الخطرين اللذين صارا عليهما اليوم. وهكذا شعرت الولايات المتحدة بإمكانية تبنِّي فكرة الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع هذه الدول من دون أن تفقد إحساسها بالأمان».
الدول الكبرى تخوض سباق تسليح اقتصادي للسيطرة على نقاط الاختناق.. والعالم سيختار الأمن الاقتصادي على حساب التعاون المتبادل
ويواصل: «لكن اليوم، صار هناك تحول جذري يظهر في الأفق. صارت روسيا تمتلك طموحات توسعية بأن تعود لتصبح إمبراطورية عظمى، وصارت الصين تراهن وتسعى للزعامة العالمية، وهو ما أعاد الصراع والتنافس الجيوسياسي مرة أخرى بقوة ليحتل قمة المشهد. المشكلة هنا هو أن تلك الدول ما زالت في حالة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل فيما بينها. والنتيجة هو أنه ولا واحدة من القوى الكبرى، لا الولايات المتحدة ولا الصين ولا أوروبا ولا روسيا، تشعر بالأمن من الناحية الاقتصادية، وهذا يعني أنه لا بد من التضحية بشيء ما. هذه المصالح المتعارضة والأحقاد المكتومة بين تلك القوى الكبرى تجعل الاحتمال الأرجح لما سوف يحدث في المستقبل هو أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل فيما بينها سوف ينكمش أكثر فأكثر».
عندما اندلعت الحرب الأمريكية ضد إيران، بدا الأمر وكأن تنبؤات كتاب «فيشمان» بقرب نهاية نظام الاقتصاد العالمي بالشكل الذي نعرفه حالياً قد بدأت بالفعل. أجرى الخبير الأمريكي لقاء مع وكالة «رويترز» الإخبارية البريطانية، قدَّم فيه رؤيته بمزيد من التفصيل قائلاً: «إن ما يحدث في النظام الاقتصادي العالمي حالياً هو أن هناك نوعاً من سباق التسليح الاقتصادي بين الدول، تتساءل فيه كل دولة: ما هي نقاط الاختناق التي أمتلكها والتي يمكن تحويلها إلى سلاح أو ورقة ضغط على الدول الأخرى؟ الوجه الآخر لهذه العملة هو أن الدول أصبحت تتساءل: ما هي نقاط الاختناق التي تمتلكها الدول الأخرى والتي يمكن أن تجعلنا ضعفاء أمام الضغط الاقتصادي الأجنبي علينا وكيف يمكننا سد هذه الثغرة؟ هذا التفكير هو الذي يجعل الولايات المتحدة تحاول أن تبحث عن موارد بديلة للمعادن النادرة حتى لا تظل معتمدة على الصين، والذي يجعل الصين بدورها تحاول أن تبحث عن نظام نقدي بديل للتعامل بالدولار الأمريكي».
ويتابع «فيشمان» في لقائه مع «رويترز»: «إلا أن هذا الأمر لم يبدأ مع حرب إيران وأزمة «هرمز». بداية انعدام الأمن في النظام الاقتصادي العالمي كانت في «يوم التحرير» الشهير الذي أعلن فيه «ترامب» رفع التعريفة الجمركية بشكل واسع على أكثر من مائة دولة حول العالم، بما فيها الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية. كانت خطورة هذا اليوم هي أنها أظهرت للجميع أنهم في وضع هش، وبعد أن كانت روسيا والصين وإيران وغيرها من خصوم الولايات المتحدة يحاولون البحث عن أنظمة اقتصادية بديلة، بعيدة عن نقاط الاختناق الاقتصادية التي تتحكم فيها الولايات المتحدة، صار الكل بعد «يوم التحرير»، وعلى رأسهم الدول الأوروبية التي تُعتبر حليفة للولايات المتحدة، تبحث عن بدائل، خاصة للنظم التكنولوجية والأنظمة المالية الأمريكية. بدأت أوروبا تفكر في أنظمة لليورو الرقمي وأنظمة دفع أوروبية بديلة حتى لا تظل معتمدة على أنظمة الدفع الأمريكية مثل «فيزا» و«ماستر كارد». وما يحدث في أوروبا والصين يحدث أيضاً في باقي دول العالم التي تسعى لزيادة نقاط قوة اقتصادها وسد ثغراتها. هذا الأمر يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تدمير الاقتصاد العالمي كما نعرفه».
بديل «هرمز» في زيادة إمكانيات خطوط الأنابيب في دول الخليج المحيطة به والمستقبل لسلاسل الإمداد المحلية وكتل من دول حليفة تؤمِّن بعضها اقتصادياً
ظهر هذا بوضوح بعد الحرب الإيرانية في مجال اقتصاد الطاقة. يرى «فيشمان»، في لقائه مع «رويترز»، أن دول الخليج لا بد أن تبحث لنفسها عن بدائل لمضيق «هرمز» بشكل سيغير من خريطة الطاقة والشحن العالمية من دون شك، فيقول: «إن ما يجعل الضغط على أي نقطة اختناق أمراً مؤثراً هو عدم وجود بدائل لها، وفي حالة مضيق «هرمز»، من الصعب إيجاد بديل له، لكنه ليس مستحيلاً. وربما يحتاج الأمر إلى بضع سنوات في المستقبل. والواقع أنني سأشعر بالدهشة، وحتى بالصدمة، لو أن دولاً في منطقة الخليج العربي، ممن تعتمد على مضيق «هرمز» في تصدير موارد الطاقة الخاصة بها، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لم تقم خلال السنوات الخمس المقبلة مثلاً ببناء وتوسيع إمكانيات وطاقات خطوط الأنابيب، ليس فقط في أراضيها، ولكن أيضاً داخل أراضي الدول الخليجية الأخرى المحيطة بالمضيق، لنقل وشحن النفط الخاص بها إلى العالم بدلاً من الاعتماد على المرور المباشر عبر المضيق الذي أظهرت إيران قدرتها على شل الحركة فيه وقتما تريد».
ويتابع: «تبحث دول الخليج عن طرق بديلة لشحن النفط الخاص بها إلى الخارج، بينما تسعى دول أوروبا وآسيا لمضاعفة اعتمادها على مصادر الطاقة النظيفة وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري. الاستثمار في دعائم الطاقة النظيفة، مثل السيارات الكهربائية وألواح الطاقة الشمسية وتكنولوجيا البطاريات، كلها صناعات تهيمن عليها الصين. بالتالي فإن إحدى نتائج حرب إيران هي أن نقاط الاختناق في مجال الطاقة تنتقل من سيطرة دول الخليج إلى الصين، وأن «بكين» سترى نفسها كما لو كانت ستصبح مركز الثقل في الطاقة العالمية في خلال خمس أو عشر سنوات من الآن».
بدت تلك الكلمات وكأنها تعلن أن ما تنبأ به «فيشمان»، منذ أشهر مضت، في كتابه قد تحقق اليوم على أرض الواقع بعد الحرب على إيران، وبداية البحث «الفعلي» عن بدائل لنقاط الضغط التي تمتلكها كل الأطراف. كان كتاب «فيشمان» يقول: «إن عصر الحروب الاقتصادية سوف ينتهي عندما تفقد نقاط الاختناق التي يقوم ويعتمد عليها قيمتها، فلا يعود للضغط عليها معنى أو تأثير ضخم كما يحدث حالياً. هذا الأمر يمكن أن يحدث بعد عشر سنوات من الآن، أو عشرين. المهم أن تفكيك نقاط الاختناق التي قامت عليها الاقتصاد العالمي سوف يتم بصعوبة ومجهود لا يقل عن الجهد الذي تكونت به. لكن المبدأ نفسه قائم. فحتى لو فقدت نقاط الاختناق الحالية أهميتها وتأثيرها بالفعل، فإن صعود وتشكل صناعات جديدة في المستقبل سوف يكون سبباً في تكوُّن نقاط اختناق جديدة في مواقع أخرى وبأشكال متجددة».
ويواصل الكتاب: «لكن في نهاية الأمر، فإن القوى العظمى سوف تجد وسيلة لتفادي نقاط الاختناق أياً كان مصدرها وموقعها وشكلها، أو الدوران حولها بالشكل الذي لا يجعلها في نهاية المطاف تشكل تهديداً حقيقياً. من الممكن أن يحدث هذا الأمر بشكل تدريجي، كأن تقرر كل دولة أن تعتمد على نفسها وتضخ استثمارات هائلة بعيدة المدى في كل ما يضمن لها الاكتفاء الذاتي في كل المجالات التي يمكن أن يكون لخصومها نقاط اختناق فيها حتى تفقد أهميتها. أو قد يحدث بشكل مفاجئ بعد اندلاع حرب كارثية، يتصارع فيها نفوذ القوى العظمى في منطقة مهددة دائماً بالاشتعال».
«فيشمان» تساءل في الكتاب عما إذا كان من الممكن أن تكون هذه المنطقة هي «تايوان» الأقرب لاندلاع صراع بين الولايات المتحدة والصين، لكنه لم يتوقع أن تشتعل هذه الحرب في إيران. إيران التي كتبت نهاية عصر الحروب الاقتصادية بعد التدخل العسكري الذي قرره «ترامب» وبها انكمشت توقعات «فيشمان» لتغير شكل الاقتصاد العالمي من عشر سنوات إلى خمس.
ويرسم «فيشمان» في كتابه صورة لشكل النظام الاقتصادي القادم في عصر ما بعد نقاط الاختناق، بعد أن تفقد أوراق الضغط الاقتصادية الحالية قيمتها وتأثيرها ربما بسبب الإفراط في استخدامها قائلاً: «إن الأمر المؤكد هو أن البعض سوف يرحبون بنهاية عصر الحروب الاقتصادية، تلك الحروب التي تقوم على الضغوط والعقوبات. النظرة المتفائلة تقول إنه لو أن الدول والقوى العظمى لا تخشى من أسلحة بعضها الاقتصادية الموجهة ضد بعضها فإن هناك شكلاً جديداً من الاستقرار يمكن أن يجد طريقه إلى النظام العالمي الجديد. إن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين دول العالم في النظام الحالي يتيح إمكانية خفض الأسعار عالمياً، وهذا أول ما سيفقده العالم مع نهاية العصر الاقتصادي الحالي، لكنه سيكتسب في المقابل نوعاً من الإحساس بالأمان. سوف تعود سلاسل الإمداد لتصبح محلية وليست عالمية، وتتضاعف فرص العمل والوظائف داخل كل بلد. أما العالم نفسه فسيتم تقسيمه إلى كتل اقتصادية، لكنه سوف يحيا في سلام».
ويواصل: «إلا أن هناك سيناريو أكثر سواداً لما يمكن أن يحدث. إن وجود القوى العظمى حقيقة من حقائق التاريخ لا يبدو أنها ستتغير قريباً في المستقبل، حتى لو فقدت الأسلحة الاقتصادية أو نقاط الاختناق قوتها وحدتها وتأثيرها. فبدون القدرة على تحويل الصراع الجغرافي والسياسي إلى ساحة الصراعات أو حتى الحروب الاقتصادية، فإن القوى العظمى سوف تجد نفسها مرة أخرى في مواجهة مباشرة فوق أرضية الميدان العسكري. لقد كان حلم الحروب الاقتصادية، بكل مساوئها وعيوبها، هو أن تكون «بديلاً» لأشكال أكثر عنفاً ودموية من الحروب الفعلية. يوماً ما سينتهي عصر الحروب الاقتصادية إلى الأبد، لكننا قد نفتقدها بعد رحيلها».
في لقائه مع «رويترز»، حاول «فيشمان» أن يضع ملامح أكثر وضوحاً للنظام الاقتصادي العالمي القادم قائلاً: «إن الأمل في المستقبل هو أن يكون هناك نوع من التنظيم في بناء الشكل الجديد للنظام العالمي. ألا تفكر الدول في أمنها الاقتصادي على المستوى القومي فقط، وإنما أن تفكر فيه بمنطق الكتل الاقتصادية، بمعنى أن تجتمع عدة دول مع بعضها لتشكل كتلة متعاونة فيما بينها، وتحكمها الثقة المتبادلة في تأمين بعضها اقتصادياً. تحتاج الولايات المتحدة لتشكيل كتلة ضخمة من هذه الدول الحليفة، خاصة في مجال التعاون في إنتاج المعادن النادرة، وسلاسل الإمداد المتعلقة بها، لكن هذا التعاون لا يمكن أن يحدث لو أن «واشنطن» ظلت تهدد حلفاءها برفع الرسوم الجمركية أو بفرض العقوبات وشن الحروب الاقتصادية عليهم. الأمل الثاني مستقبلاً هو أن تغير إدارة «ترامب» من موقفها إزاء حلفائها، أو أن تأتي قيادة جديدة في الولايات المتحدة بعد انتخابات الرئاسة القادمة عام 2028، تُظهر بوضوح أن موقفها هو بناء كتلة اقتصادية مكونة من حلفائها في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، تتعاون فيما بينها لمواجهة التهديد الذي يأتي من الصين».



