مومياء «قسيس الهواء الجاف» تكشف تقنية تحنيط منذ 300 عام
مومياء «قسيس الهواء الجاف» تكشف تقنية تحنيط منذ 300 عام
ما زال الغموض يحف عالم المومياوات، وطرق التحنيط الغريبة تسيطر على المشهد رغم مرور سنوات طويلة، فالبعض يظل شهور وسنوات حتى يظهر طرق التحنيط على الساحة، وهو ما حدث في المومياء النمساوية التي تم اكتشافها قبل عدة أشهر، دون معرفة تفاصيل التحنيط أو ما كان داخلها، وهو ما نستعرضه في التقرير التالي.
خلال الشهور الماضية، تم اكتشاف أثري جديد أسفل إحدى كنائس النمسا، دون الكشف عن أي تفاصيل عنها سوى أنها مومياء يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر أي قبل 300 عامًا، لذا أجريت دراسة جديدة حولها ونُشرت في مجلة «Frontiers in Medicine» للكشف عن معلومات غير مسبوقة خاصة بالمومياء.

طريقة غريبة للتحنيط
كشف العلماء عن طريقة غريبة غير تقليدية في تحنيط المومياء، إذ خضعت المومياء للتحنيط بدون شق في الجسم، وهي تقنية لم يتم توثيقها من قبل، أطلق عليها مومياء «قسيس الهواء الجاف»، وقاد أندرياس نيرليش، الأستاذ بجامعة ميونيخ، الفريق الذي أجرى التصوير المقطعي والتحليلات الكيميائية والتأريخ بالكربون المشع، وكشفت النتائج عن ثلاثة اكتشافات متزامنة، وهي الهوية المحتملة للرجل، وسبب وفاته بمرض السل، وطريقة تحنيط لم يسبق توثيقها في أي سجل تاريخي أو علمي آخر.
حافظت مومياء قسيس الهواء الجاف، على حالتها بشكل مذهل، فهي تعود إلى فرانز زافير سيدلر فون روزنيج، وهو قسيس محلي توفي عام 1746 عن عمر يناهز 37 عامًا، وما جعل هذه الحالة فريدة من نوعها في النمسا والعالم هو طريقة حفظ الجثة، حيث أظهرت صور الأشعة المقطعية، أن التجاويف الداخلية للمومياء كانت مملوءة بنشارة الخشب وألياف الكتان والقنب، وآثار مركب أساسه الزنك، وهي مواد تمتص الرطوبة وتمنع تكاثر البكتيريا على مدى ثلاثة قرون.


والأمر المثير للقلق هو أن الجثة خالية من أي جروح على سطحها، وخلص الفريق إلى أن جميع المواد أُدخلت عبر فتحة طبيعية، ربما عن طريق المستقيم، وهي تقنية تحنيط صنفها «نيرليش» على أنها الحالة الوحيدة المسجلة في تاريخ العلم، وفق تقرير نشرته صحيفة «الجارديان»، و«clickpetroleoegas»،، وكشف التحليل النظائري عن عادات غذائية تتوافق مع عادات رجل دين في رعية: نظام غذائي يرتكز على الحبوب واللحوم.
نظام غذائي اتبعه قسيس الهواء المجفف
وتشير البيانات إلى أن الرجل المحفوظ في المومياء ربما عانى من تقييد غذائي في الأشهر الأخيرة من حياته، ربما نتيجة للحرمان الذي فرضته حرب الخلافة النمساوية، وهو صراع دمّر المنطقة خلال أربعينيات القرن الثامن عشر وأثر على إمدادات المجتمعات الريفية في جميع أنحاء النمسا، كما كشف فحص بالأشعة السينية أُجري في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية عن وجود جسم غريب داخل المومياء، مما غذى على مدى عقدين من الزمن نظرية احتمال تسميم القس.



واستبعدت الدراسة الجديدة هذه الفرضية تمامًا، إذ تبين أن الجسم عبارة عن حبة كروية مثقوبة، قطعة من مسبحة علقت في الجسد أثناء عملية الحفظ، وأن التقنية المستخدمة لحفظ الجثة فقد أظهرت الفحوصات أن تجاويف البطن والحوض كانت ممتلئة تمامًا بشظايا خشبية، وألياف نباتية من الكتان والقنب، وبقايا مركب زنك خصائص مضادة للميكروبات، وقد عمل هذا المزيج كنظام لامتصاص السوائل وحاجز ضد التحلل البكتيري، مما يفسر سبب احتفاظ المومياء بجلدها وأنسجتها سليمة لثلاثة قرون.